القاهرة | في عام 1918، أصدر المجلس البلدي لمحافظة الإسكندرية قراراً بالحجز على أحد بيوت حي الأنفوشي وإخلائه من ساكنيه، بدعوى وجود متأخرات وضرائب قديمة على البيت لم تُسَدّد حتى تلك السنة. ساكنو المنزل كانوا طفلين، وأبوهما مصري من أصول تونسية واسمه محمود محمد مصطفى بيرم. هذا الأخير شعر بغيظ وقهر بسبب تشريده على ضوء قرار المجلس البلدي. لذلك أنشد يقول: «يا بائع الفجل بالمليم واحدةً/ كم للعيال وكم للمجلس البلدي؟/ كأن أمي بلَّ الله تربتها أوصت/ فقالت: أخوك المجلس البلدي/ أخشى الزواج فإنْ يوم الزفاف أتى/ يبغي عروسي صديقي المجلس البلدي!/ أو ربما وهب الرحمن لي ولداً/ في بطنها يدّعيه المجلس البلدي».


في الصفحة الأولى من جريدة «الأهالي»، نشرت القصيدة، معلنة عن ولادة شاعر عظيم سيُعرف لاحقاً باسم «بيرم التونسي» سيدرك الأخير سريعاً أن قصائده الفصيحة تلقى رواجاً فقط بين طبقة المتعلمين التي لا تجاوز نسبتها الـ 10% من إجمالي المصريين حينها، بينما كان يسعى هو لفضح المجلس البلدي على أوسع نطاق. ومن هنا، قرر أن يكتب الشعر بالعامية المصرية، لينفجر، ويضفّر اللهجة المصرية المحلية بتعاسته وغضبه وإحساسه بالظلم، فينتج عن ذلك ما يُعرف اليوم بـ «شعر العامية المصرية».
بعد ذلك، تعاقب على شعر العامية كثيرون، ترك كل منهم تجربته الخاصة والمختلفة، كندبة في وجه الشعر، فصلاح جاهين (1930 – 1986) زاوج بين الشعر والرسم، وكتب الرباعيات الخالدة، وارتبط شعره بهم شخصي/ وطني عميق، هو المشروع القومي الناصري العروبي. يقول جاهين في إحدى أجمل قصائده: «على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء/ أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء/ باحبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب/ وباحبها وهي مرمية جريحة حرب/ حبها بعنف وبرقة وعلى استحياء/ واكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء/ واسيبها واطفش في درب وتبقى هي ف درب/ وتلتفت تلقيني جنبها في الكرب/ والنبض ينفض عروقي بألف نغمة وضرب/ على اسم مصر».


ثار على ظلم المجلس البلدي،
ثم على قدره البائس في الغربة والمنفى

أما المدهش فؤاد حداد (1928 – 1985)، فكان يعمل ــ تزامناً مع النقلة الشعرية التي أحدثها بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور في اجتراح قصيدة التفعيلة في شعر الفصحى ــ على إحداث نفس تلك الخلخلة في شعر العامية. وبالمثل، فإن عبد الرحمن الأبنودي (1938 – 2015) رسّخ لحضور اللهجة الصعيدية الجنوبية في شعر العامية، وقدّم قصائد غنائية مهمة في تاريخ شعر العامية. أما أحمد فؤاد نجم (1923 – 2013)، فأعاد إحياء اللون البيرمي، وغزل السياسي بالشخصي ليفرز جمالياته الخاصة، حتى باتت قصائده مصدر إزعاج رئيسي للسلطة السياسية في مصر عندما كان أنور السادات على رأس تلك السلطة.

الثورة والأغنية... دربان للقصيدة

جاءت هذه الثنائية كقاعدة. عبر هاتين القناتين، ارتفع شعر العامية وتوهّج. كانت الأغنية ممراً آمناً للقصيدة، لتتهادى وتتزين وتتغنّج. بيرم كتب لسيد درويش. الرائدان تعاونا وخبزا الأغنية معاً رغيفاً للشعب، كما غنت له أم كلثوم وغيرها. أما صلاح جاهين، فغنت كلماته أم كلثوم، سيد مكاوي، ماجدة الرومي، داليدا، محمد العزبي، سعاد حسني، محمد منير، علي الحجار... فؤاد نجم دشّن ثنائياً فريداً مع الشيخ إمام، كما غنى له العديد من المطربين، فيما كان الأبنودي الأوفر حظاً في تحويل قصائده إلى أغنيات، بخاصة في تعاونه مع الأيقونتين أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. وربما يكون أقلهم حظاً فؤاد حداد، وإن نال نصيبه من الأغاني، مع سيد مكاوي والشيخ إمام عيسى ومحمد منير.
ثار بيرم على ظلم المجلس البلدي، ثم على قدره البائس في الغربة والمنفى. كذلك، ثار الفاجومي على السادات وكتب فيه أشهر قصائده التهكمية «البتاع». كما حرك نجم بقصائده تظاهرات 1972 الطلابية، وتظاهرات 1977 (انتفاضة الخبزة) وكان لاعباً رئيسياً فيها، بخلاف حضوره الكبير في الثورات الحديثة، وتحديداً ثورة 25 يناير. كان «الفاجومي» يتجول في الميدان ويصرخ منادياً على رفيقه الشيخ إمام ليرى معه «الثورة». وبالمثل، حضر صلاح جاهين الذي افتتن بالمشروع الناصري وصاغه فنياً، وآمن بثورات التحرر العربية، إلى جانب فؤاد حدّاد الذي طغى عليه تكوينه العربي ثنائي الهوى، وكتب لمصر ولبنان وفلسطين والأوطان. وبالمثل كان الخال عبد الرحمن الأبنودي.

الثورة أينعت وأورقت

سيد حجاب، زين العابدين فؤاد، وجمال بخيت وغيرهم... أسماء لاحت لاحقاً في سماء شعر العامية، بعد جيل الرواد. ولأسباب عدّة، انخفض صوت قصيدة العامية المصرية، لا لضعف فني في القصائد، لكن ربما لانسداد الأفق في الحقبة المباركية.
لكن مع مطلع الألفية الجديدة، كان حس جديد يتكون ويحتشد في شعر العامية. أسماء أضاءت في سماء القصيدة: رامي يحيى، محمد خير، أسامة الدناصوري، سالم الشهباني، كوثر مصطفى، ميدو زهير.. قبل أن ينفجر هذا الجيل عام 2011 بدفعة جديدة كانت صوتاً حياً للثورة، على رأسهم مصطفى إبراهيم، الذي أوجد لنفسه ثنائياً غنائياً متناغماً هو المطرب الشاب محمد محسن، ومايكل عادل، وكلاهما من أبناء الثورة فعلياً، بالإضافة إلى وائل فتحي، وسعيد شحاتة وهيثم دبور... منذ بيرم حتى جيل 2011، يقف شعر العاميّة المصري، متسلحاً بالثورة والأغنية، وقبلهما متسلحاً بكل فنيّات القصيدة.