القاهرة | طرحت مؤسسة «أخبار اليوم» في مصر أخيراً طبعة جديدة من مذكرات بيرم التونسي (1893 - 1961) ضمن سلسلة تصدرها الدار في قطع الجيب الصغير بإشراف الروائي عزت القمحاوي تحت عنوان «الروائع».

بدا لافتاً الرواج الذي وجدته المذكرات لدى القراء الشباب، ما يطرح سؤالاً مهماً: ما الذي يغري اليوم بالعودة لقراءة بيرم التونسي والتعرف إلى حياته؟ أمور عدة تبرّر هذه العودة، أوّلها أنّ قصيدة العامية التي تكتب الآن ارتدت الى مرحلة الزجل التي بدأها بيرم. بسبب هذا النكوص، كانت العودة للمصدر الأصلي حلاً لمأزق هذه القصيدة. من ناحية أخرى، يغري الاشتباك بين الاجتماعي والسياسي في نصوص بيرم بالعودة إليها، بخاصة أنّ نقده توجه أساساً إلى صور التخلف الاجتماعي ومكانة رجال الدين في المجتمعات العربية... كلها أمور تفرض نفسها اليوم في ظل صعود الأصولية. وهناك جانب فني رئيس يصعب تجاهله في نصوصه التي تحتفي بالهامش بلغة بسيطة أقرب ما تكون الى التداول اليومي... لغة على الحافة وجارحة كشفرة سكين.

المذكرات التي كتبها الشاعر الشعبي خلال منفاه في فرنسا ونشرها في صحيفتي «الشباب» و«الزمان» التونسيتين في ثلاثينيات القرن الماضي، تعطي صورة واضحة عن حياته التي تميزت بالشقاء، واعتمد فيها على ما تيسر له من أموال كانت في أغلبها نتاج اشتغاله في تأليف الأغنيات لمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وزكريا أحمد.
ولد محمود محمد مصطفى بيرم لعائلة تونسية، كانت تعيش في حي السيالة الشعبي في الإسكندرية. استقر جده في المدينة خلال عودته من رحلة الحج، وكانت عائلته تملك مصنعاً للنسيج، ووالده كان فناناً بالسليقة يستأجر شعراء الربابة الذين كانوا ينشدون له من الشعر البدوي القديم والسيرة الهلالية. بفضل هذه الخبرة، تعمقت صلته بالشعر الشعبي قبل أن يُلحقه الوالد بأحد الكتاتيب الأولية لحفظ القرآن. تعلّم اللغة العربية، لكنه انقطع عن التعليم الديني لسببين وفق ما يذكر أحد رواة سيرته وهو محمد كامل البنا في كتابه «بيرم التونسي كما عرفته». يشير البنا إلى أنّ أحد مشايخ الكتّاب حاول التحرش ببيرم. بسبب هذه الواقعة، كتب بيرم: «تربت في نفسي عقدة من جميع الشيوخ الذين يلبسون مسوح التقى والورع، وكرهتهم كراهة الأرض للدماء». أما السبب الثاني لانقطاع بيرم عن التعليم، فهو موت والده وزواج أمّه برجل يعمل في النجارة التي تعلّمها بيرم وأكسبته «عضلات نفعته في ما بعد في حياة الشقاء التي عاشها في المنفى».
بعد وفاة والدته، انتقل للإقامة مع شقيقته من أبيه التي تكبره بـ 20 عاماً. لكسب الرزق، افتتح محلاً للبقالة وبيع البضائع وتزوج ابنة عطار وأنجب منها. في 1912، بدأ تعلم العروض الشعري. ونظراً إلى وجود دكانه قرب المعهد الديني، تيسر له الحصول على أعمال كبار شعراء اللغة العربية. وبينما كانت ثقافته تتقدم، كانت تجارته تتراجع في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. ما دفع المجلس البلدي في الإسكندرية إلى مطالبته بتسديد متأخرات وضرائب قديمة على بيته. أمرٌ دفعه إلى تأليف قصيدة «المجلس البلدي» التي كانت تندد بالامتيازات الأجنبية. الغريب أنّ التونسي طبع هذه القصيدة وباعها في كتيب وجد رواجاً بحسب تعبيره الى حد أنّه باع نحو 100 ألف نسخة وهو عدد كبير قياساً لعدد سكان الاسكندرية في تلك السنوات.
ما زاد شهرته ارتباطه بألحان سيد درويش، وعمق صداقتهما، والسهرات الفنية التي كانت تشهدها الإسكندرية في ذلك الوقت. كتب له أغنيات وأوبريتات عدة أشهرها «على قد الليل ما يطول» و«أوبريت شهرازد». في ظل المناخ الذي أوجدته ثورة 1919، بدأ بيرم تجربة كتابة الأشعار المنددة بالاحتلال والداعمة لسعد زغلول ورفاقه، وبدأ نشرها في مجلة «المسلة» التي أطلقها تحت شعار «المسلة... لا جريدة ولا مجلة» ورُسمت عليها مسلة مصرية رمزاً للمجد المصري القديم. أراد بهذه التسمية أن تكون المطبوعة بمثابة الإبرة التي «تنخس البلداء المفسدين». وتناولت أزجال بيرم كل أشكال الفساد السياسي للأسرة العلوية الحاكمة، كما كرسها لفضح صور النفاق، مركزاً هجومه على رجال الدين الذين يبررون للسلطة فسادها، وبدأ بهجوم على مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت لاختلافه مع وجهات النظر الوطنية. وحالما صدر العدد الثاني من «المسلة»، حتى أصدر بخيت بياناً يتهم فيه بيرم بالكفر والإلحاد. ولهذا ناصبه بعضهم العداء ولقّبوه بالمارق، واعتبروا ما يكتبه أشد من الكفر. انتقل بيرم لتناول «قصص الفضائح السلطانية» على نحو أوجد لها رواجاً في أوساط العامة والنخبة بسبب نبرتها الساخرة، وخصوصاً أنّه استلهم عناوينها من نداءات باعة الخضار والفاكهة. وكانت بعناوين من عينة: «القرع الملوكي»، «البامية السلطاني».
بسببها، مثل أمام المحكمة للمرة الأولى بتهمة العيب في الذات الملكية، لكنه نجا بفضل قانون الامتيازات الأجنبية الذي كان يعطيه الحق كمواطن تونسي بعدم الامتثال للقوانين المصرية. وأمام استمراره في نقد الأوضاع، لم تجد السلطات حلاً سوى ترحيله الى تونس. ونظراً إلى فشله في العثور على عمل نظامي هناك، توجه إلى فرنسا حيث عمل في مهن هامشية، فعاش متشرداً.
واصل كتابة المقالات والأشعار والنصوص التي تقارن بين أنماط التحضر في الغرب، وما تعيشه بلدان الشرق في ظل الاستعمار. من أطرف ما كتبه «السيد ومراته في باريس» الذي جاء مشحوناً بالمفاجآت التي تقابل سيدة مصرية من صميم الأحياء الشعبية لدى ذهابها الى فرنسا.
ورغم عدم معرفته اللغة الفرنسية، ألا أنّه استطاع التحايل على العيش هناك من خلال العمل كمعلم لغة عربية لأبناء أحد القناصل. تحفل المذكرات بالعديد من صور الألم والتشرد التي عاشها هناك، حتى إنّه كان يضع في مواقد التدفئة صفحات من الدواوين الشعرية لأنّه لم يكن يمتلك نقوداً تمكنه من العيش كريماً.
الأكثر إيلاماً انه حين علم بزيارة سعد زغلول إلى باريس، توجه لمقابلته لكنه وجد منه صداً أو كما يقول «أخذ يرفعني ويخفضني ببصره، ثم اشار الى الباب دون أن يرد على كلامي بنعم أو لا». والأغرب أنّه عاش التجربة ذاتها مع مصطفى النحاس باشا خليفة سعد زغلول في زعامة «الوفد» الذي التقاه في باريس وطلب منه الحضور إلى مقر السفارة المصرية لتيسير عودته إلى مصر. حين جاء في الموعد المحدد، وجد البوليس الفرنسي في انتظاره ليقوم بتفتيشه بحثاً عن سلاح معه، إذ حرر رئيس وزراء مصر بلاغاً اتهم فيه التونسي بمحاولة اغتياله.
ترك بيرم فرنسا وعاد إلى تونس. هناك، أسّس جريدة «الزمان» التي لاقت رواجاً وتبنت قضية تحرير الجزائر. وبسبب سياسة الجريدة، طلبت السلطات الفرنسية ترحيله، فذهب إلى دمشق حيث اقتصر نشاطه على الأدب.
مع ذلك، تم ترحيله من جديد. وخلال رحلة العودة، تمكن من التسلل مع الباخرة التي أقلته خلال وقوفها في بور سعيد المصرية.
بدأ بيرم في مصر حياة الهروب والخوف التي كان يعيشها، خشية أن يُكتشف أمره فيتم نفيه من مصر مرة أخرى. طلب من زوج ابنته سعيد راتب أن يذهب إلى جريدة «الأهرام»، ويقابل صديقاً من المعجبين به ويعطيه خطاباً مهماً. كان هذا الصديق الصحافي كامل الشناوي الذي كتب له بمجرد هروبه من السفينة: «غلبت أقطع تذاكر، وشبعت يا رب غربة». طلب بيرم من كامل الشناوي أن ينشر الخطاب له.
اتصل الشناوي برئيس تحرير «الأهرام» أنطون الجميل، راوياً له قصة الخطاب، ففوجئ بالجميل يقول له إنّ رئيس الوزراء محمد محمود، ووزير الداخلية محمود فهمي النقراشي، والأمين الأول في القصر أحمد حسانين من أشد المعجبين ببيرم. بعد ساعتين، استدعى أنطون الجميل الشناوي وقال له: «مبروك انشر الزجل في الصفحة الأولى». كانت هذه أول مرة تنشر فيها «الأهرام» زجلاً في الصفحة الأولى. قدّم الزجل كامل الشناوي بقوله إنّهم تلقوا هذا الزجل من مجهول وهو بخط بيرم التونسي، وطلب في هذا التقديم العفو عن صاحب الزجل، بخاصة أنّ زجله مليء بالاستعطاف. وحالما نشر هذا الزجل، أصدر وزير الداخلية أمراً بتجاهل وجود بيرم في مصر.
خلال السنوات الأخيرة من حكم الملك فاروق، كتب بيرم العديد من القصائد الزجلية واستقر نشاطه في كتابة الأغنيات حتى قامت ثورة 1952، ففرح بها وقال فيها الأشعار والأزجال. في 1954، حصل على الجنسية المصرية ثم مُنح جائزة الدولة التقديرية عن جهوده قبل عام واحد من وفاته في أيار (مايو) 1961.