ترجمة سعدي يوسف

الحقيقة والخيال
(قـصيدةٌ غير مكتوبة)

1


متوقِّعاً وصولَكِ غداً، وجدتُني أفكِّرُ أنا أحبُّكِ: ثم تأتي الفكرةُ :- عليَّ أن أريد كتابةَ قصيدةٍ تُعَبِّرُ تماماً عمّا أعنيهِ حين أفكِّرُ بهذه الكلماتِ.

2


أوّلُ ما أطلبُهُ، حين أقرأُ قصيدةً كتبَها سواي، أن تكون جيّدة (اسمُ كاتبِها ذو أهميّة ثانويّة)؛ أمّا القصيدةُ التي أكتبُها فإن مطْلبي الأول منها أن تكون أصيلةً، يمْكِنُ التعرُّفُ عليها، مثل خطِّ يدي، إذ أنها كُتِبَتْ، على عِلّاتِها، من قِبَلي.
(في ما يتّصِلُ بقصائدِ الشاعرِ نفسِه، فإن ما يفضّلُهُ الشاعرُ، وما يفضِّلُهُ قُرّاؤهُ، متشابكٌ، ونادراً ما يكون متوافقاً).

3



لكن على هذه القصيدةِ التي أريدُ أن أكتبَها الآن، أن تكونَ، ليس فقط جيدةً وأصيلةً، بل عليها أن ترضيني، وعليها أيضاً أن تكون صادقةً.
قرأتُ قصيدةً لشاعرٍ ذرفَ دمعةَ فراقٍ لمحبوبته: القصيدة جيدة (أثّرَتْ فِيَّ شأن أي قصيدةٍ جيّدة) وأصيلة (تعرّفتُ فيها على خطّ يدِ الشاعر). في ما بَعدُ، ومن قراءتي سِيرةٍ، عرفتُ، أن الشاعرَ، وقتَ كتابتِها، كان يبغضُ حتى الموتِ، تلك الفتاةَ.
لكنه تظاهرَ بالعويلِ، كي يتجنّبَ إيذاءَ المشاعرِ، والمشهدَ.
هل أثّرتْ هذه المعلومةُ، سلباً، في إعجابي بقصيدتِهِ؟ أبداً. أنا لم أعرفْه شخصيّاً، وحياتُه الخاصة لا تهمُّني.
هل كان هذا سيؤثِّرُ في إعجابي، لو كنتُ أنا، كتبتُ القصيدةَ؟ آمُلُ في ذلك.

4


لن يكفي أنّ عليّ الاعتقادَ بأن ما كتبتُهُ كان صادقاً:
لكي أرضى، على الصدقِ في هذه القصيدةِ أن يكون واضحاً بذاتِهِ.
على القصيدةِ أن تكون مكتوبةً، بطريقةٍ تجعلُ القارئ لا يقرأ أنا أحِبُّكِ، كما يقرأ أنا أحِبُّكِ.

5


لو كنتُ مؤلِّفاً موسيقيّاً، فأظنُّني قادراً على تأليف قطعةٍ موسيقيّةٍ تُعَبِّرُ للمستمعِ عمّا أعنيه أنَ أفكِّرُ بكلمة حُبّ، لكنْ سيكون مستحيلاً عليّ أن أؤلِّفَها بطريقةٍ يعرفُ المستمعُ، بها، أن هذا الحُبّ كان لكِ أنتِ . (لا للّه ، أو أُمّي، أو النظام العَشريّ). لغةُ الموسيقى لازمةٌ، غير متعدِّيةٍ، كما كانت. هذه اللزوميّة، بالضبط، هي التي تجعلُ، سؤال المستمعِ بلا معنى، لو سألَ:- «هل يعني هذا المؤلفُ، حقّاً، ما يقولُ، أم أنه يتظاهر بذلك فقط؟».

6


لو كنتُ رسّاماً، فأظنني قادراً على رسم بورتريت يُعَبِّرُ للمُشاهدِ عمّا أعنيه، عندما أفكِّرُ بكلمةِ أنتِ (جميلة، محبوبة، إلخ.) ، لكنْ سيكون مستحيلاً علَيَّ أن أرسمَ البورتريت بطريقةٍ يعرفُ فيها أني أنا أحببتُكِ أنتِ.
لُغةُ الرسمِ تفتقدٌ، كما كانت، الصوتَ الفعّالَ، هذه الموضوعيّة، بالذات، هي التي تجعلُ، بلا معنى، سؤالَ المُشاهِدِ:
ـــ أهذا حقاً بورتريت نون (وليس لصبيٍّ، أو قاضٍ، أو لقاطرةٍ مموّهة؟).

7


محاولة «الرمزيّين» جعلَ الشِعرِ، لازماً، كالموسيقى، لن تمضي أبعدَ من الفعل الانعكاسيّ النرجسيّ - «أنا أحبُّ نفسي».
محاولةُ جعلِ الشِعرِ موضوعيّاً، كالرسم، لن تمضي أبعدَ من المقارنة المفردة «أ مثل ب»، «جيم مثل د»، «ر مثل ز»،
لن تتعدّى قصيدة صوَريّة (إيماجِسْتْ)، بضعَ كلماتٍ طولاً.

تقـسـيم

كان طليقاً، في الأقلّ، أنَ وصلَ، لأداءِ مَهمّتِه
في هذه البلادِ التي لم تقعْ عيناه عليها
البلادِ التي كُلِّفَ تقسيمَها
بين شعبَينِ متعاديَينِ
ذوَي قُوْتٍ مختلفٍ، وآلهةٍ خصيمةٍ.
في لندن، قالوا له:
«الوقتُ قصيرٌ. ولم يَعُدْ ، ثمّتَ، مجالٌ للمصالحةِ أو النقاشِ المنطقيّ.
الحلُّ الوحيدُ ، الآن، هو في الانفصال.
ويعتقدُ نائبُ الملِكِ، كما سترى في رسالتِهِ، أنّ من الخيرِ ألاّ تُرى برفقتِهِ كثيراً.
هكذا أعددْنا لكَ ترتيباتٍ أخرى.
سنعطيكَ أربعةَ قُضاةٍ تستشيرُهم، اثنان من المسلمين، واثنان من الهندوسِ
لكنّ القرارَ الأخيرَ يظلُّ قرارَكَ أنتَ».


■ ■ ■


هو مقيمٌ، الآن، في منزلٍ ناءٍ
يحرسه رجالُ الشرطةِ، ليلَ نهارَ
خشيةَ الاغتيالِ،
وهو يعملُ، بهمّة، ليقرِّرَ مصيرَ الملايين.
الخرائطُ التي بين يديه قديمةُ العهدِ
ونتائجُ الإحصاءِ غيرُ دقيقةٍ،
لكنْ ليس لديه متّسَعُ وقتٍ لتدقيقِها
أو لتفتيش المناطقِ المتنازَعِ عليها.
كان الجوُّ حارّاً حدّ المخافةِ
وهو مصابٌ بالدوزنتاريا.
لكنّ المسألةَ انتهتْ بعد سبعةِ أسابيعَ.
الحدودُ قُرِّرَتْ،
والقارةُ قُسِّمَتْ، إنْ خيراً، وإنْ شرّاً.

■ ■ ■


في اليوم التالي أبحرَ، عائداً، إلى إنكلترا،
حيثُ نسِيَ ، القضيّةَ ، سريعاً
كما ينبغي لمحامٍ جيّدٍ .
وقد أخبرَ «النادي»
أنه لن يعود إلى هناك
خوفاً من إطلاقِ النارِ عليه!