القاهرة | في الأشهر الأخيرة، كانت القاهرة تعرف بين حين وآخر جدالات بشأن إنشاء محطة مترو في أحد شوارع منطقة الزمالك، تفاعلت وارتفعت في المدة الأخيرة نظراً لاقتراب أعمال تنفيذ المخطط وبدء أعمال الحفر، الأمر الذي يمكن لأي مارٍ اليوم أن يعاينه بسبب إغلاق عدد من الطرقات.


سبب الجدال أنّ عدداً من سكان الزمالك وهو الحي الهادئ في القاهرة والذي «ينأى بنفسه عن ضجيج القاهرة»، يرفضون إقامة محطة للمترو في حيّهم. يغلب على مبررات هؤلاء جوانب تقنية، إذ يقولون إنّ «سكان الزمالك قلقون لدرجة الرعب من تعرض عقارات المنطقة للانهيار أثناء الحفر» نظراً إلى أنّ الحي قائم ضمن جزيرة يحدها مجريا النيل من الجهتين. إلا أنّ الأمر يعرف بعداً آخر إذ إنّ آخرين يعتبرون أنّ المسألة تعكس «العقلية البرجوازية لأهل الزمالك ونرجسيتهم». (هذه النظرة إلى الزمالك ليست جديدة. على سبيل المثال، في «يعيش أهل بلدي»، يقول الراحل أحمد فؤاد نجم: «يعيش التنابله في حي الزمالك، وحي الزمالك مسالك مسالك... إذا عِزت توصف حياتهم، تقول الحياة عندنا مش كذلك»).
قد تُشكِّل مسألة «مترو الزمالك» مدخلاً للتعرف، ولو من زاوية واحدة، إلى القاهرة التي يقطنها أكثر من عشرين مليون نسمة والتي أصبحت على مدى عقود القرن الماضي مترامية الأطراف. فانطلاقاً من الحديث عن «المترو» وعن «خصائص الأحياء»، يصل النقاش إلى القاهرة التي تُعتبر «مدينة متناقضات» يصعب فهمها وإدراكها، كما يقول بعض من أهلها، فيما يضيف أحد باحثيها الشباب: «حتى نحن، لا أدري إن كنا نعرفها جيداً». في ذلك، تشبه العاصمة المصرية عدداً من نظيراتها العربية، مع فارق الحجم وتداعياته، وفارق الخصائص.


خلف متناقضات القاهرة
تقف أسباب ديموغرافية و«تراجيديا العمران»



خلف «متناقضات القاهرة» الاجتماعية والاقتصادية، تقف بطبيعة الحال أسباب ديموغرافية و«تراجيديا العمران» كما تسميه الأكاديمية المصرية المتخصصة جليلة القاضي، التي تتحدث في كتابها «التحضر العشوائي» (المتقادم إذ تعود كتابته إلى النصف الثاني من الثمانينيات)، عن «المدينة الأم التي تصبح كوحش... يبتلع موارد الوطن». وفي دراسة القاضي يُلمَس أن من بين أسباب «المتناقضات» أنّ «المناطق العشوائية في القاهرة لا تقع بين مساحات خالية، وإنما هي مدن تابعة حقيقية... باعتبارها توسعاً طبيعياً للمدينة». الأمر الذي يُظهر المتناقضات الاجتماعية والاقتصادية بصورة أكثر فظاظة.
قد تنعكس هذه الخلاصة على صورة القاهرة التي لطالما كانت تمثّل «قوة ثقافية ناعمة» في العالم العربي، وفي شرقه على الأخص، لتجعلها أقرب إلى رؤية أحد زوارها (الطاهر بن جلون) الذي قال إنّ القاهرة «ليست رواية، بقدر ما هي حكاية تذهب في كل الاتجاهات، لتعود إلى نقطة البداية».

هرب إلى... «العبثية»؟

ثمة من يقول في القاهرة إنّ «من شأن مترو الزمالك أن يقضي على آخر أحياء القاهرة الهادئة والراقية». إلا أنّ هذا الكلام الذي يشير إلى نرجسية وإلى «ترفع ثقافوي» لدى شريحة مفترضة من «سكان الزمالك الأصليين»، يُخبّئ حقيقة أنّ القاهرة باتت بحاجة منذ عقود إلى ما هو أعم وأشمل: منهج عملي للتخطيط المدني، يهدف إلى تقليص الزحام ومؤشرات التكاثر السكاني في العاصمة وفي «مدنها التابعة»، فضلاً عن السعي إلى مواجهة «الوحش الذي تمثّله المدينة الأم».
لعلّ المفارقة هنا، أنّ كلّ من حكم القاهرة منذ «ثورة يوليو 1952» أراد الإسهام في هكذا مشروع للتخطيط المدني، ومع توالي العقود باتت «سياسات الحكام» أشبه بمحاولة الهرب في الفراغ المحيط بالعاصمة المصرية. وربما ضمن هذا السياق يأتي طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي، لمشروع «العاصمة الإدارية» التي ستبعد نحو 45 كيلومتراً شرق القاهرة، وتهدف إلى الخروج من زحام «المدينة الأم».
لاقى هذا المشروع الكثير من الانتقادات على غرار «المشاريع القومية» الأخرى التي بدأ الرئيس المصري يعلن عنها منذ بداية عهده في 2014، وقد وضعها البعض في خانة «العبثية» لأنها «تفشل في مهدها... وتؤدي إلى انفاق معظم مخزون الدولار». أحد المصريين يقول في جلسة في حي الزمالك نفسه: «المشكلة أنّ من يحكمنا بات مسكوناً بالخوف من الواقع، ويحاول الهرب منه».

حسرة على... السادات!

بخلاف تبريرات «الفئة المفترضة لسكان الزمالك الأصليين» (هكذا تظهر)، قلة قليلة تناقش في مسألة «المترو»، وكثرٌ ممن يتم الحديث إليهم يُبدون استغرابهم لاستمرار الجدال في الأمر نظراً «لفائدة وصول المترو إلى الزمالك». وربما مما يساعد على تراجع الحديث بهذا الخصوص وبما له علاقة أيضاً بـ«مشاريع قومية» ضخمة، أنّ هناك حالة شبه عامة في شوارع القاهرة، تشي عن خدرٍ بفعل خيبات المصريين بما بعد 2011، وبفعل تدهور الحالة الاقتصادية التي تقود بدورها «نحو الانجرار خلف اليوميات». (سائق «تاكسي» يقول حين يصل الحديث إلى الواقع الاقتصادي المتردي: والله أيام السادات كانت أرحم!).
برغم الأزمة الاقتصادية، يرى أحد المعارضين البارزين أنّ مصر «لن تشهد في المدى المنظور هبة شعبية، فالمصريون أثبتوا لمرتين أنهم قادرون على إسقاط سلطة، لكنهم لن يجازفوا مرة ثالثة قبل أن يروا أن هناك بديلاً موجوداً». فضلاً عن ذلك، تخشى فئة مصرية من أن يخدُم أي تحرك أحد «أقطاب السلطة، كما حصل سابقاً»، عن غير قصد. يقول آخرون: «القاهرة بتدفّي، وانت مش أهم من يللي راحوا... بس الناس تعبانة ومافيش أفق لأي عمل سياسي جماعي».

في الزمالك، «تنحسر الدبلوماسية»؟

في بداية حي الزمالك تقريباً، يقع أحد قصور الخديوي، الذي تحوّل في وقت لاحق إلى «فندق الماريوت». في هذا الفندق، أقام وزير الخارجية الأسبق والأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى، حفلاً قبل أيام لتوقيع الجزء الأول من مذكراته، شاركت فيه وجوه عدة من وزارة الخاجية المصرية، إلى جانب حضور أحمد أبو الغيط ونبيل العربي (ورئيس االحكومة اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة). على هامش هذا الحفل، كان يمكن للمراقب أن يلحظ بعضاً من طبائع «بورجوازية الدولة» في مصر. لكن المثير، هو الشعور بأنّ هذا الحفل كان يمثِّل في أحد وجوهه تراجع وانحسار دور «الدبلوماسية المصرية» لصالح أطراف أخرى في الحكم. كان شعوراً حزيناً ربما، خاصة في ظل ما يظهر من تراجع للدور المصري في الإقليم.
لعلّه من الصدف أن يتذكّر المرء في هذا الحفل، حادثة بسيطة وقعت قبل ذلك بيومين:
*عايز أعرف فريق الأهلي عامل ايه في مباراته
*انتهى الشوط الأول بخسارة الأهلي واحد ــ صفر ضد الجيش
*يا عم اسكت... هي وقفت على الأهلي!
هكذا، تبدو مصر، انطلاقاً من الحديث عن مترو الزمالك الذي «يذهب في كل الاتجاهات». هي بدورها تبدو قد دخلت في مترو المرحلة المقبلة، وعسى أن تكون نهايته خيراً.