تروي الحكاية أن رجلاً فلسطينيّاً - أميركيّاً ناجحاً يدعى وديع، تعثّرت أعماله في بلادٍ عربية مجاورة، بعد ازدهارٍ وتوسّع، وشاء أن يقضي بضع صيفيّاتٍ، للرّاحة، في بلدةٍ جبليّةٍ لبنانيّة، فأحبّ أهلها ومناخها وهدوءها وأوصى بأن يُدفَن فيها عند المماة. علماً أن أمنيته الأولى كانت أن يُدفَن في فلسطينه المُحتلة من صهاينةٍ اغتصبوها زاعمين أنها أرضٌ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض.


رفض أهل البلدة اللبنانيّة أن يُدفَن وديع في أرضهم، وهو الّذي أحبّوه وقبِلوا ماله وأكلوا طعامه وعرفوا عائلته، لأنه فلسطينيٌ غريبٌ لم تشفع له الصّداقة وحسن الجوار ولم يشفع له الانتماء إلى نفس الدّين واللّغة والتّاريخ والهويّة معهم. غلبَتهم عنصريّةٌ طّائفيّةٌ مقيتة ما زالت باقية وتتمدّد رغم سنوات الحرب الأهليّة وأثمانها الباهظة.
لا أعلم لمَ خطرت ببالي هذه الحكاية وأنا أقرأ بغثيانٍ شديد خبر عودة السيّد السّينمائي زياد دويري الميمونة إلى بلده بعد سنواتٍ على زيارته لإسرائيل لتصوير فيلمٍ هناك وإنكاره الشّديد أن يكون في ما فعله خيانة أو تطبيع، لا سمح الله. حاشا وكلاّ يا سيّد دويري أن يكون في ذهابك وعملك وسكنك وإنفاقك في بلدٍ عدوٍّ احتلّ أرضنا وشرَّد شعبنا وقتل أبناءنا أيّ خيانةٍ أو تطبيعٍ أو ما شابه! أتعبوك والله بهذه الزيارة الشكليّة إلى المحكمة وبحمل جوازي سفر (الله يكثّرهم) أمام حائطها وبالإستماع لدقائق، من وقتك الثّمين، إلى أسئلةِ إعلامي أثار غضبك لمجرّد محاولته ملامسة رأس جبل الجليد فيما فعلت لكنك لم تُقصّر في زجره ونهره وتأنيبه ناهيك عن تهزئة قناته.
لو أن فرنسيّاً قرّر الذهاب إلى ألمانيا النّازية، وسط الحرب معها، ليُنتِج مسرحيّةً هناك، وقضى بضعة أشهر وعمل مع ممثّلين نازيّين وألمان وأدلى بأحاديثٍ لصحفٍ نازيّة، ماذا سيكون ردّ فعل الفرنسيين الوطنيين عليه؟ هل سيُصدّقه أحدٌ بأن زيارته «فنّية» و«مسرحيّة» وبريئة؟ ألن يُحلَقَ شَعر الرّأس، في حالة المرأة، ويُبصَق على الرّجل في الشّوارع، وهذا أضعف الإيمان؟ ألن يُسأَل بحقّ، أأنتَ غبيّ أم تَدّعي الغباء؟
أنت تقول: «حاسبوني كسينمائي وليس كسياسي». حسناً، سأترك تحديد الخيانة أو التّطبيع للقانون، وإن كنتُ أوافق الأسقف روميرو، المناضل اللّاتينيّ، في قوله: «العدالة كالأفعى، لا تَلدغُ إلاّ الحُفاة». وفي حوزتك، وإلى جانبك، الكثير من الأحذية في هذا البلد الذي أضاع هويّته ولغته وثقافته. ما علينا.


أليست السّينما أهم وأخطر بكثير، من وسيلة ترفيهٍ محايدة؟

كسينمائي، أسألك، ألا ترى أن السّينما أهم وأخطر بكثير، من وسيلة ترفيهٍ محايدة؟ ألا ترى أن السّينما الجامعة لكل الفنون والعابرة للحدود واللّغات، أثبتت منذ بداياتها أنها الأقدر على التّلاعب بالعقول والمشاعر والتّرويج الذكيّ والمُضمَر للأفكار والأذواق والمُيول، وبالتّالي فهي ارتبطت دوماً بالسّياسة على أكثر من مستوى فنّي وتجاري وتقني؟ أقرب مثال: ألم تُشَيطِن السّينما في أميركا، ولا تزال، العرب والسّود بعد شَيطنةِ الهنودِ الحمر، خدمةً لسياسةِ وثقافةِ الرّجلِ الأبيض؟ والأمثلة عديدة ويصعب حصرها.
كسينمائي، ألا ترى أن أكثر من استفاد تاريخيّاً من هذا الأمر، ولأسبابٍ عديدة، كان أفراد الإنتلجنسيا اليهوديّة الأوروبيّة الذين أسّسوا هوليوود في الأصل ورسموا مسار السّينما الأميركية بكامل تطوّرها إنتاجاً وتوزيعاً وترويجاً وتحكّماً بالمضامين والمرويّات؟ وإلاّ أين كانت الدّعاية الإسرائيليّة اليوم لولا مُراكمة الأعمال السّينمائيّة المبهِرة التي سهّلت لها الانتشار والقبول الواسعين لمرويّاتها وأمّنَت لها احتكار دور الضّحيّة وتبرير الاضطهاد الإسرائيلي المستمر للفلسطينيين والعرب عن طريق تنميطهم وتشويه صورتهم، وإبقاء احتلالهم لأرض فلسطين كآخر احتلال استيطاني مباشر في هذا القرن؟
كسينمائي، ألا يُشعرك عملك بالمسؤوليّة الأدبية والأخلاقية والإنسانية تجاه شعبك وبلدك وهويتك؟ ألا يحتّم عليك عملك تملّك الإحساس المرهف، عند الفنان الحقيقي، بما يُحرّك النّاس ويُثير مشاعرهم ويجيّش عواطفهم؟ أم أنك مجرّد تقني بارد يركّب الصور والمشاهد ويضع الحوار والموسيقى لمن يُعطي جوائز أرفع؟
عندما اغتصب رومان بولانسكي ابنةَ الثّالثة عشر عاماً، لم يَقُل حاسبوني كسينمائي! بل توارى عن الأنظار كأيّ مجرم آخر وظلّ القضاء الأميركي يُلاحقه بعنادٍ لسنواتٍ طويلة.
فحوى القول، أن العمل السّينمائي ليس رخصةً مفتوحةً للتفلّت من الموانع الأخلاقيّة بداعي الفن والإبداع والحريّة وما شابه. وهو ليس رخصةً للنّذالة على أنواعها. والتّعامل مع عدوٍ مجرمٍ، والوقوف مع الجلاّد ضدّ الضّحيّة، وتجاهل العدوان والتّهجير والاحتلال وسرقة الأرض هي النّذالة الموصوفة في كلّ ثقافات العالم، سواءَ كان المرء سينمائيّاً أم رائد فضاء. نقطة على السّطر.
وهذا يكفي للمطالبة المُحِقّة والمُتحضّرة لك بالاعتذار عمّا فعلت. لكنك لن تعتذر، وحليفك الأهم هو هذا التردي الأخلاقي المشين الذي يدفع بعضنا للخلط بين الخطأ والصواب وبين الصديق والعدوّ وبين المُتبَجِّح والنّزيه.
أمّا عن وديع، في بداية هذا الكلام، ولا ألومَك إن لم تَعرِف، فهو وديع سعيد والد الراحل إدوارد سعيد، الفلسطيني الذي أفنى حياته في تحديد البوصلة، من قلب الوحش، والذي لم يتخيّل ربّما في أسوأ كوابيسه هذا القعر الذي وصلنا إليه: أن نتجادل حول إثم التّعامل مع العدوّ!
* كاتب لبناني