تعرضُ رواية «موت ناعم» («منشورات ضفاف»/ بيروت، و«منشورات الاختلاف» /الجزائر)، لموضوعين متمايزين جعل منهما أحمد طيباوي قضيةً واحدة يضمهما نسيجٌ سرديٌّ واحد: هموم المرأة المثقّفة وهموم الوطن. تُطالعُنا ثنائية المرأة/ الوطن عند عتبة الإهداء: «كلُّ هذا النّزيف من أجل... امرأةٍ مستحيلةٍ سكنت القلبَ كما وطنٌ مُعتّقٌ في كأسِ الأماني»، وتترسّخ لاحقاً في نسيج السّرد على أكثر من جبهة وموقع.


تكشف صيغة الإهداء همّاً آخر احتلّ الأسبقية وهو همّ الكتابة الذي أشار إليه الروائي الجزائري بـ «كلّ هذا النزيف». وبهذا يستثمر خطاب «موت ناعم» إحدى آليات الرواية العربية الجديدة وهي الانفتاح على الميتاورائي، وكسره للحدود الفاصلة بين الإبداع والنقد، عن طريق إنتاج الروائي لوعيٍ نقديّ يُمارسه على محكيّه. إنّ موقع الهامش الذي فُرِضَ على المثقّف/ الأنثى في الواقع، دفعَ اللغةَ في هذه الرواية إلى الانتقام من التهميش عبر خلقِ مركزٍ خاصٍّ بها من موقع الهامشِ نفسه، مُتحدّيةً المركزَ الأصل المتمثّل في السّلطة (السياسية/ الذكورة/ الأعراف...). هكذا عملت هذه اللغة الروائية على التحليق في عالمها الخاصّ. عالم ارتضتهُ أن يكونَ شاعرياً بامتياز يتسامى عن المُطلق، فتظهر لنا مُكتفية بذاتها ومنفصلةً عن غيرها، جانية وضحية، غاوية وواقعة في الغِواية. إنها أشبه في تشكيلاتها بوضعية الجنين، تنكفئ على ذاتها برغم أنّها في الوقت نفسه تستمّد وجودها من الخارج. هذا ما يشعرنا بأن هذه اللغة كائنٌ حيٌّ يُحاكي شخصية البطلة الأنثى الساردة سعاد ملياني التي خلقت لنفسها عالمها الخاصّ منكفئة على ذاتها اغتراباً ومُكتفية بها نرجسيةً في اللحظة نفسها.
إذا كان السّارد يتّخذ من اللغة وسيلة ويتعامل مع بُعدِها الوظيفي الذي يجعلها تنخرط آلياً وطوعياً في تنظيم عالمه البنائي تنظيماً عقلانياً، فإنّ الشّعر اشتغال على روحها المُحلّقة بين الدّال والمدلول لتخرِق بذلك انتظامَه وتُشظّي وحدَته فتكون غايةً في ذاتها. فهل أدركَ طيباوي مخاطر شحنِ لُغة سرده بطاقةِ التصوير الشّعري وإمكاناته الإيحائية المُنفلِتة من أُطُر المعيارية؟
من يقرأ «موت ناعم» لا يُمكنه إلاّ الإقرار بأنّ اللّغةَ الشعرية هي البطل في هذه الرواية، إذ تعمل على الإيقاع بالمتلقّي في غواية جمالياتها من «الفاتحة النصّية» حتّى «القفلة»، وتهيمُ به في عوالِمها الساحرة في ما بينهما، بينَ خصوبة الوصف، ودينامية السّرد وتناميه، والسيكولوجية العميقة للشخصية التي هندسَ كيانَها البوح والمناجاة لتكشف عن شعورٍ بالاغتراب في أقصى درجاته. لقد تمكّن الروائي من جعلنا نُحسّ بالشّعر وفي الوقت نفسه نتتبّعُ بوعيٍ مسارَ السّرد في كسرِه لخطّيةِ الزمن عبرَ آلية الاستذكار وتفجير ذاكرة الساردة، وفي استشرافه للمستقبل عبر نهاية استفهامية. يلجأ بعض كُتّاب الرواية الشباب إلى اللّغة الشّعرية لجوءَ المُفلِس هروباً من فقرِ سردي وجهلٍ بأساليب بناء عوالم السّرد، فيضحي المحكيّ الشّاعري خياراً تعويضياً عن هشاشةِ معمارٍ روائي، لا مفرّ من تزيين واجهتِه لاستمالة القارئ استمالة آنية مقرونة بلذّة مؤقتة، لكن خُطاطة المحكي الشاعري في «موت ناعم» سارت في اتجاهين: اتّجاه أفقي استجابَ لمشترطات النثر في حركةٍ تُراعي الربّط بين الحدث وفضاءاته وأزمنته اللاّخطّية بحضور الشّخصية ذات الأبعاد السيكولوجية العميقة التي تولّت عبء تنامي الحدَث وصيرورته. وهناك اتجاه ثان عمودي احتفى بالشّعري على مستوى البنى السردية الصّغرى (الجُمل)، والبنى الكُبرى (المقاطع)، ما يجعل القارئ يستمتعُ بالسّرد تحت إيقاعِ تناميه البطيء. يصعب على القارئ تفادي الوقوع في غوايةِ شاعريتها مهما استعصم، لكنه سيخرجُ منها أيضاً وقد نفض عنه عباءة تلكَ الشاعرية مُحمّلاً بشعورٍ بالاغتراب. شعور يبعثه التماهي مع الأنثى/ الساردة التي عجزت عن تحرير ذاتها في مجتمع سلطوي ذكوري، لكنها نجحت في تحرير اللّغة من قوانينها المعيارية.
* أستاذة من جامعة قسنطينة