قصة حب استثنائية تقدمها إيزابيل ألليندي في روايتها الجديدة «العشيق الياباني» (دار النشر الإسبانية «بلاثا وخانيس»). قصة غراميات الشابة ألما فيلاسكو والبستاني الياباني إتشيمي، في رواية تدور أحداثها في أمكنة متباعدة ومتباينة، تبدأ من بولونيا الحرب العالمية الثانية التي هربت منها ألما لتستقرّ في سان فرانسيسكو في كاليفورنيا. الشابان اللذان التقيا وهما في الثانية والعشرين من عمريهما، ولارتيابهما بأن أيامهما صارت معدودة، راحا يختنقان بنهم الحب، يريدان أن يستنفداه كاملاً، ولكنهما كلما أوغلا في محاولتهما تصبح الشهوة أشد حذراً.


و«يخطئ من يقول إنه لا بد لكل نار من أن تنطفئ عاجلاً أو آجلاً. هنالك غراميات هي حرائق متقدة إلى أن يخنقها القدر بضربة من مخلبه، وحتى في هذه الحال تظل بعض الجمار ساخنة وجاهزة للتأجج بمجرد وصول نفثة أوكسجين صغيرة إليها».
«إنها رواية معاصرة بالكامل» هذا ما تقوله المؤلفة. تتناول مسألة الحب والشيخوخة، والندوب التي تخلفها الحروب في الأفراد والعائلات والثقافات. تروي تفاصيل القصة امرأة تجاوزت الثمانين. تتراجع في الزمن مستذكرة وقائع حبها غير العادي الذي عاشته قبل أكثر من نصف قرن. فالسيدة الثرية التي تهجر في عام 2010 دارتها الفخمة في سان فرانسيسكو لتقيم في دار للمسنين، تظل تحتفظ بمسافة حذر بينها وبين بقية النزلاء والعاملين، باستثناء علاقتها بإرينا بازيلي العاملة في الدار والتي ستتحول إلى مساعدتها وصديقتها. تكتشف هذه المساعدة المولدافية الشابة بعض الرسائل في مغلفات صفراء تتضمن قصصاً غامضة. وهنا تتحول وجهة الرواية من الحاضر باتجاه الماضي؛ فتعود بنا إلى فرصوفيا الحرب العالمية الثانية ومساعي والديّ ألما فيلاسكو لتهريب ابنتهما من أجواء الحرب إلى أقرباء لهم في أميركا، ولتعود في ما بعد مرة أخرى إلى الزمن الحالي من جديد. ولكن ألما التي تنجو من الحرب في أوروبا، تقع ضحية تلك الحرب في كاليفورنيا، حين تنقطع قصة حبها فجأة، وبسبب الحرب أيضاً. إذ تعمد حكومة الولايات المتحدة إلى تجميع المواطنيين الأميركيين من أصول يابانية في معسكر اعتقال لمدة ثلاث سنوات. ويكون بينهم الشاب الياباني العاشق إيتشيميه.
إيزابيل ألليندي التي ولدت في ليما، عاصمة البيرو، حين كان أبوها موظفاً في سفارة تشيلي هناك، وعاشت طفولتها متنقلة بين تشيلي وبوليفيا وبيروت، هُجّرت في سبعينيات القرن الماضي مع زوجها الأول وأبيها من بلادها تشيلي على إثر الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس سلفادور ألليندي، وانتقلت إلى فنزويلا حيث أقامت عشر سنوات. وفي عام 1988 كانت صاحبة رواية «بيت الرواح» تشعر بأن مستقبلاً أفضل ينتظرها كروائية، فاتخذت القرار بأنها تريد فرصة أخرى في بلاد أخرى. وانتقلت من كاراكاس إلى سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة. «لقد جئت إلى هنا بما عليّ من ملابس. كنت في رحلة عابرة لترويج أحد كتبي. ولكنني التقيت بويللي وأغرمت به وبقيت. هذه البلاد عاملتني جيداً»، تتذكر الكاتبة التشيلية من بيتها في كاليفورنيا، حيث تتقاسم الحياة مع المحامي والكاتب الأميركي وليام غوردون. ولكنها اليوم، ومع صدور كتابها الجديد، تعلن أنها انفصلت للتوّ عن زوجها الثاني غوردون، وتضيف أن هذه «الخسارة الرهيبة» لا تمنعها من النظر بأمل إلى نشر «العشيق الياباني».
في عام 1981، حين كان جدها في التاسعة والتسعين ويقف عند عتبات الموت، بدأت تكتب له رسالة طويلة ما لبثت أن تحولت إلى مخطوطة. فكانت «بيت الأرواح»، روايتها الأولى وكتابها الأوسع شهرة الذي صدر عام 1983. فقد اثارت الرواية اهتماماً عظيماً ونُقلت في ما بعد إلى السينما وإلى المسرح. وفي عام 1984 نشرت روايتها الثانية «الحب والظلال» التي تحولت على الفور إلى عمل عظيم آخر ونُقلت بدورها إلى السينما.
بعد موت ابنتها بولا، نشرت ألليندي كتاب المذكرات «باولا» 1994. وهو مكتوب على شكل رسالة موجهة إلى ابنتها، بينما كانت الابنة غارقة في غيبوبة في أحد مستشفيات مدريد. والكتاب يروي ذكرياتها عن مرحلة طفولتها ومنفاها. ومنذ ذلك الحين تحولت إلى أحد أكثر الكتّاب شعبية على مستوى العالم. يقدر أن كتبها قد ترجمت إلى أكثر من خمسة وثلاثين لغة وبيع منها أكثر من ستين مليون نسخة. وما زالت تستحوذ على اهتمام الجمهور وسوق الكتاب مع كل جديد تنشره. في شهر كانون الثاني (يناير) من العام الماضي أصدرت روايتها «لعبة ريبر» التي باعت خلال الأشهر الستة الأولى، في بلادها تشيلي وحدها، أكثر من عشرين ألف نسخة، وهو حدث استثنائي في بلاد تعداد سكانها أقل من 18 مليون نسمة. وقد كرمتها بلادها في عام 2010 بمنحها «الجائزة الوطنية التشيلية للآداب». وفي شهر آذار (مارس) الماضي كانت أول امرأة تكرمها «جامعة تشيلي» بمنحها درجة دكتوراه الشرف. يمكن أن تصنف أعمالها ضمن ما سمي بالواقعية السحرية التي بدأها غابرييل غارسيا ماركيز، وإن كانت تسعى في أعمالها الأخيرة إلى نزع هذه اللصاقة عن نفسها واتخاذ سبل جديدة أخرى مثلما فعلت في روايتها السابقة «لعبة ريبر» التي جربت فيها الكتابة البوليسية، أو الرواية السوداء. ومن أبرز مؤلفاتها وأوسعها انتشاراً: «باولا»، «الجزيرة تحت البحر»، «مدينة الوحوش»، «حكايات إيفا لونا»، «عن الحب والظلال»، «بيت الأرواح»، «دفتر مايا»، «لعبة ريبر»، وغيرها.
تصر إيزابيل ألليندي على أن روايتها الجديدة ليست عن الشيخوخة، وإن كانت ترويها البطلة متذكرة ماضيها بعد بلوغها الثمانين، ولا سيما أن «الوقوع في حب شخص آخر يتجاوز مسألة الأعمار». وتؤكد أن «العشيق الياباني» تتناول عدة أجيال، ولكنها «رواية معاصرة بالكامل». أما وكيلتها الأدبية كارمن بالثييس فتصرّ من جهتها على أنها «رواية فذة، وفيها مستويات قراءة متعددة».