أَوَّلُ كتاب صدرَ لي هو مجموعة شعريّة بعنوان: «على دَرَجِ المِياه العميقة» (دار توبقال للنَّشر، الدّار البيضاء، 1990). وقد كان مفترضاً أن يبعثَ صُدُورُ كتابي الأوّل ذاك سرورًا كبيراً في نفسي، لكنّ شيئًا من ذلك لم يتمّ، فرغم إطراء الأصدقاء وبعض النّقّاد للمجموعة، كانَ قدْ وَقَرَ في نفسي إحْساسٌ بما يُشْبِه التّقصير (اللاإراديّ) في مرحلة تهييئ المادّة التي كانت سَتُشَكّل مجموعتي البِكر تلك...


فالذي حدث هو أنّي لم أتوصَّلْ إلى الكشف عن «مخابئ» عددٍ لا بأس به من قصائدي - منها ما كان منشورًا وقتَها في صُحف ومجلّات، ومنها ما لم يكن منشورا بعد - حتّى أضمَّها إلى تلك المجموعة، فنتج عن ذلك أنّ تلك القصائد لم تَرَ النّور بين دفّتي «على دَرَج المياه...»، ومنها ما ضاع الآن نهائيًّا. ما من مشكل، على أيّ حال، فحتّى ما نشرتُه في الطّبعة الأولى لمجموعتي تلك قد انتقصتُ منه قليلا في طبعتها الثّانية! إلامَ يعود ذلك «التّقصير اللاإرادي»؟ ببساطة، إلى وضع غريب كنتُ أمرّ به في الوقت الذي كان عليّ أنْ أجمع خلاله مادّة المجموعة المذكورة. وهو وضع لم يكن بالمريح قطعاً، وإنْ تكنْ ملابساته قد أصبحَت تثيرُ لديّ ــ بعد أن انقشعت بسنوات ــ رغبةً في قهقهةٍ أكيدة، لكنْ خافتة بعض الشّيء، حتّى لا ينتبه لها غيري! فـ «دار توبقال» المغربيّة كانتْ قد طلبتْ منّي، بعدما لم يبقَ أمام انطلاق «معرض الدّار البيضاء للكتاب» لسنة 1990 سوى فترة قصيرة نسبيّاً، أنْ أُسارِع بإرسال مخطوطة المجموعة، لأنّها ترغب في أن تقدّمها ضمن إصداراتها الجديدة في المعرض المذكور.


رغم إطراء الأصدقاء وبعض النّقّاد للمجموعة، كانَ قدْ وَقَرَ في نفسي إحْساسٌ بما يُشْبِه التّقصير (اللاإراديّ)
أمّا أنا، ففي تلك الأيّام بالضّبط، كنتُ قد غادرتُ مسكني بأحد أحياء أغادير الهادئة، إلى بيت في أحد الأزقّة الخلفيّة بالحيّ المُسَمّى «الدّشيرة» (أتذكّر، هنا، كيف أنّ أختي الصّغرى لم تتمالك نفسها وأطلقت العنان للضّحك إذْ سمعتْني أنطق باسم هذا الحيّ حين أخبرتُها بالهاتف عن انتقالي للسّكن فيه!)، وهو حيّ شَعْبيّ لي عنه ذكريات طيّبة. المهمّ أنّ الدّشيرة حيٌّ مترامي الأطراف، شعبِيٌّ كما قلت، بما في دلالات هذا النّعت من خير وَشَرّ، ومبانيه، عامّةً، تحمل طابع القِدَم، وهو يقع لِصْقَ أغادير... أمّا لماذا تحوّلتُ إلى مسكني الجديد ذاك، فتلك حكاية أخرى...
هكذا، فحين جاءني طلبُ النّاشر المُستعجِل، كانت كتبي وأوراقي، بما فيها قصائدي طبعًا، لا تزال محشورة بغير نظام في كَرَاتِينَ كبيرة مغلقة بصرامة، محْكَمَة الحَزْم بحبالٍ لا بأس بمتانتها، نُقِلَتْ من أغادير إلى الدّشيرة!
أتذكّر أنّه كان للبيت الذي انتقلتُ إليه، وهو ذو شَكل هندسيّ عجيب، نافذتان تنفتحان على العالم الخارجيّ، فحين أطلّ من إحداهما، أجدُ قبالتي جدارا سامقا طُلِيَتْ منه رقع كبيرة ومختلفة الأشكال بالزّفت، ومن النّافذة الأخرى، كنتُ أرى سُهْبًا مترامي الأطراف، مكفهرًّا، تتبدّى على أديمه غيرِ المنتظم، الكثيرِ الحصى والحجارة المهروسة، أخاديدُ وثلومٌ سوداءُ قاتمةٌ وخضراءُ غامقةٌ ودكْناءُ كالحة، وتتلامع على سطحه مياهُ جداول صغيرة آسنة، قليلةٍ ومتناثرة... وقد أَوْحَى لي شيطاني الدّاخِلِيّ وقتها، في اليوم الأوّل الذي حللتُ خلاله بذلك المسكن، بأنّ تلك الفلاة كانت «تعبق» بشاعريّة ما، ولذا كنتُ أُطِلُّ عليها بين فينة وأخرى، وأجدني أُردّد هذا البيت الذي أحفظه منذ صغري:
كَمْ مَهْمَهٍ قَفْرٍ بنفسي خُضْتُهُ/ومفاوِز جاوزْتُها بالأبجَرِ
وهو، كما لا يخفى عليكم، لأبي الفوارس عنترة.
لكنّ تفاؤلي والرّوح الغنائيّة لديّ سرعان ما انْحسرا في أوّل ليلة قضيتُها بذلك المسكن الجديد- ذلك أنّ صخب القاطنين في الشّقة الواقعة فوق شُقّتي استمرّ حتّى الخامسة صباحًا، وما إنْ كفّت الضّجّة الآدميّة وقلتُ في نفسي: «إنّ النّاس تسهر من حين لآخر، ذلك أمر عاديّ، بل ولا غنى عنه»، حتّى عَلَا، على غير انتظار، نُباحٌ شديد، متسارع الوتيرة ولا هوادة فيه، لجماعة من الكلاب كانتْ تذرع الجانب القريب من السّهب المذكور وتزداد تهيّجًا بمرور الوقت...
وفي الليلة الموالية، نُسِفَتْ آخر الآمال التي كُنْتُ قد استبقيتُها، إذْ تكرّرت نفسُ الوقائع، فأُعيدَتِ السّهرة الصّاخبة، وبعدها جاء دور الجوقة النّابحة، التي أدّتْ سيمفونيتها الرّهيبة، الطّويلة، بضراوةٍ لا تُضاهَى، علمًا بأنّ تلك الكلاب قد لا تكون راغبة – في قرارة أنفسها - سوى في استقبال الفجر بتهاليلَ مُرَحِّبة، ثمّ الاحتفاء به، مُطوّلا بعد حلوله، بزمجرات ممّا يستعذبُه جنسُها... إثْرَ كلّ ذلك، قرّرْتُ أنْ أُبقيَ أمتعتي في ذلك البيت، واكتريتُ غرفةً في أحد الفنادق بأغادير، في انتظار أنْ أعثُرَ على مسكنٍ جديد... واصطحبْتُ إلى غرفة الفندق تلك حقيبة واحدة لا غير...
في ذلك الظّرف بالضّبط، كان مطلوباً من الشّاعر أن يجمع القصائد التي ستشكّل ديوانه الأوّل. وها هو يصِلُ، صباحاً، إلى مسكنه الذي لم يعد يُمكنه أن يقضي فيه الليل، قادما من غرفة الفندق، ويقفُ أمام الكراتين، المتراكمة منها والمرصوفة، مجيلاً بصره بينها، وفي رأسه يتردّدُ تساؤل أوحد: «أين يا تُرى ترقد أعدادُ المجلاَّت وقصاصاتُ الجرائد والدّفاترُ التي تُوجدين بها يا قصائدي؟ في أيّ من هذه الكراتين تختبئين أيّتها النّصوص التي ستشكّل مجموعتي البِكر؟... ».
عثرتُ إذن على نصوص، ولم أعثُر على أخرى، ومدّني صديق بقصائدَ لي كنتُ قد أضعْتُها... وفي لحظةٍ ما، أتعبني البحث والتّنقّل من غرفة الفندق إلى البيت الذي «تسكنه» أمتعتي وكراتيني من دوني... وسرعان ما جاءتْ لحظة قرّرتُ خلالها أنّ ما جمعتُ من نصوص كافٍ لإصدار مجموعة شِعريّة. « وما لم تَعثُرْ عليه الآن، يا عزيزي، سيُنشر في الآتي من الأيّام، ضمن مجموعة قادمة...»، قُلْتُ لنفسي...
وقد تمّ إصدار مجموعتي الأولى تلك قُبيل أوان معرض الكتاب لسنة 1990 وَعُرِضَتْ فيه – طُبعتْ على جناح السّرعة، فلمْ تُتَحْ لي فرصةُ مُراجعة مُسَوَّدَتها أثناء الطّبع – وفي سنة 2001، أصدرتْها «منشورات عكاظ» بالرّباط، في طبعة ثانية، ضمن كتاب شعري ضَمّ ثلاثاً من مجموعاتي: «محفوفًا بأرخبيلات...»، «على دَرَج المياه العَميقة»، و»راية الهواء».

طلبت «دار توبقال» منّي أنْ أُسارِع
بإرسال المخطوطة لأنّها ترغب في أن تقدمها ضمن «معرض الدّار البيضاء للكتاب» (1990)

وبعد صدورها بأشهر قليلة عن دار «توبقال»، بعثتْ لي هذه الأخيرة بخمسين نُسخةً منها. أتذكّر أنّ غلافها أعجبني بشكل خاصّ، فهو عبارة عن لوحة اعتُمِدَ فيها الخطّ العربيّ، نُعتت بكونها: «صفحة حُرّة للقندوسي، أنهاها سنة 1828».
أفتحُ، الآن، هذه المجموعة كيفما اتّفق... لقد مضى على ظهورها خمس وعشرون سنة!... أفتحها وأقرأ، من قصيدة بعنوان «بدأت هذه الثلوج تصدأ»:
«أقِفُ تحت نافذة تتردد خلفها شكاوى عجزة ومتسوّلين يتقاسمون خبز الملاحم القديمة. أقفُ تحت مطر يقضم نَهْدَ عذراء تركض في مفازة العذاب، خلال هذا المساء الذي يرفل في فساتين من عوسج. طواحينُهُ تفتّت عظام الملائكة. وأنا الذي استهللتُ هذا الإعصار الجميل، لا أرى على شاشته إلا أقدامَ الموتى مغروسةً في صناديق القمامة، تتشمّمها الذئاب... بدأت هذه الثُّلوجُ أيضا تصدأُ أمام عينيَّ اللتين كانتا يمامتين سجينتين، وجَلَدَهُمَا أقزامٌ كانوا لا يغادرون بطون أُمَّهاتهم إلّا خلالَ أعيادِ المَجوس. نيرانُهم تتثاءب على وسادتي كلَّ صباح. دموعُهُمْ تصهل في مَحْجِرَيّ، فيما أصنعُ حماقات مُشِعَّة من رماد الأيّام، وأترصّدُ أبوابا تهرول بأقدام آدميّة، منها سأدلف إلى مدن الماضي، منقسمًا إلى جسوم كثيرة...».
وأنا أقرأ هذه القصيدة الآن، في بيتي الحاليّ، بِمدينة سَلا، يدهمني أذان الفجر... ذلك أنّه يحدثُ لي أن أسهرَ حتّى دنوّ الصّباح... لقد نأتِ الآن كثيرا أيّامُ الدّشيرة، «حيّاها الحيا»... ويصلني اللحظةَ نباحُ كلاب سائبة، أعرف أنّها تلك التي تتجمّع في بدايات الليل جنبَ سور قصير لحديقة غير بعيدة عن مسكني.