في روايتهِ «المؤتمر الأدبي» التي صدرت عام 1997 (انتقلت أخيراً إلى العربية عن «دار مسكلياني»)، يخبرنا سيزار آيرا عن تجربة مجنونة لعالم وراثة. تمثل هذه التجربة قيم العالم الحديث، وتصير بالتالي، تجريباً في السرد، وسعياً لابتكار مفاهيم تحاكي القيم المتغيرة وتؤسس لها.

ينحت آيرا مصطلح «علم الوراثة الأدبي» مُحيداً فكرة التناص. إذ إنّ كلّ نص هو جزء من مخيال أدبي يتخذ الماضي باعتبارهِ مفهوماً عقلياً معياراً لجدارة النص. تبدأ الرواية التي نقلها إلى العربية عبد الكريم بدرخان كأول عمل مترجم، بالحديث عن خط ماكوتو في فنزويلا، وهو لغز أعده قرصان مجهول. الخط عبارة عن حبل مصنوع من مواد طبيعية وممتد بين الجبل والبحر. يخفي الحبل كنزاً وفق حيلة عجزت الأجهزة الحديثة عن حلّها. سيزار، الشخصية الرئيسية في الرواية ينجح في تفكيك عالم القراصنة الخرافي عبر مصادفة مفادها وجوده في فندق بالقرب من الخط وخروجه في حالة من الفراغ متأملاً الأولاد وهم يغوصون في البحر متجنبين الصخور. فعل معتاد يجده سيزار فعلاً أسطورياً. في هذا الجو الهادئ والعارم بوحدة الرجل، يتوجه إلى الحبل ويُقلّب عقده المتراكمة، ليطلق القوس المشدود منذ قرون سهمهُ إلى الشاطئ.

يسقط الكنز بالقرب من سيزار، ويصير رجلاً غنياً، بعدما عانى الفقر بسبب صعوبات عالم النشر والترجمة. يستيقظ محاطاً بهالة المجد، ممتلئ الجيوب، يتوجه إلى «ميريدا» لحضور المؤتمر الأدبي. هنا، يعتقد القارئ أنّ الرواية الفعليّة ستبدأ.
يزعم سيزار أنّ كلّ حكاية تستمد منطقها من حكاية سابقة. وعليهِ، فإنّ القدر يضع فريسته أمامه مثلما رمى الكنز إليه. تكون الفريسة هي الكاتب وعالم الاجتماع المكسيكي كارلوس فوينتس. يُنتج سيزار في مختبره حشرة تقتنص خلية من فوينتس، ويشرع باستنساخهِ بأعداد كبيرة، من أجل السيطرة على العالم. يجعل الكاتب من بطلهِ مجرد «تجسيد للصورة النمطية للعالم المجنون في مجلات الرسوم الهزليّة»، ويعزز صورته تلك عبر معاداة سيزار لثقافة العامة، الواضحة في اختيار الفريسة، إضافة إلى عدم اهتمامهِ بفعاليات المؤتمر الأدبي. بمجرد وصولهِ، يقرر الاستجمام والراحة من بطولتيه في حل لغز ماكوتو وفي حصوله على الخلية، التي لشدة جمالها، لا تبدو بشرية! وقد وضعها في آلة الاستنتساخ في أعلى الجبل.


كان ظهور الحبّ فعلاً بشرياً ضد عملية الاستنساخ الإلهي

إذاً قبل ثلث الرواية، سنعرف أنّها انتهت، والصفحات الباقية، ما هي سوى تداعيات للبداية التي وضع فيها الكاتب جلّ الحدث، ضمناً الإشارة الواضحة إلى المصير الفاشل لتجربة العالم المجنون. يمضي سيزار معظم أيام المؤتمر الأدبي في المسبح، ليخفف من فرط النشاط العقلي. يسرد لنا، وهو مسترخٍ في المسبح، الكثير من التأملات الشخصية. كأنّ الرواية تأمل مقتضب ومجازي في الوجود، حيث «كلّ شيء كناية عن شيء آخر».
يؤخذ سيزار، الذي تقوده صدف عدة إلى الظهور على أنّه بطل غير عادي، بفكرته عن الكمال المطلق، ويوزع آيرا في أماكن عدة من الرواية مجموعة من الأفكار التي يمكن جمعها لصياغة تعريف خاص بسيزار عن الكمال. تعريف يبدأ بالجسد المُشّع كمالاً، مروجاً لفكرة أنّ كل عيب وانحراف عن القانون الجسماني يولد المسوخ، ومنها تلك العيوب التي لا نميزها بالحواس. في المقابل، فإنّ الكمال، بحسب سيزار، الباحث في الشيفرات الوراثية للخلايا هو «كمال الاختلاف»، مما يقود إلى «خلق الشخصية الفردانيّة». بينما تكون آلة الاستنتاخ مستمرة في العمل، يكشف سيزار عن عشيقة قديمة تسكن نفس المدينة. وتماشياً مع منطق بناء الأحداث في الرواية، فإنّه ينتظر صدفة تجمعه بها؛ «فالكمال يحفر طريقه بيديه، والمعحزة هي أن يحصل من تلقاء نفسهِ».
يعيدنا آيرا إلى المؤتمر الأدبي، لنعرف أنّ سيزار مؤلف مسرحي. يضطر لحضور عرض لإحدى مسرحياتهِ. تقول لنا المسرحية ما لم يصلنا في الرواية بعد؛ إذ يكون بطلا المسرحية آدم وحواء التي جاءت من ضلعهِ، عبر أول عملية استنساخ على الإطلاق. ما فرض التعاطي مع الجنس لاحقاً، كـ «تابو». تكون ليلة العرض هي ليلة ظهور نتائج آلة الاستنساخ. يمضي بنا آيرا إلى نهاية سريعة، ويكشف النهايات التي زرع شكوكاً لدى القارئ حيالها. فالآلة استنتسخت ديداناً زرقاء ضخمة شكلت خطراً فادحاً على المدينة، كما لو أنّ القيامة كانت تحدث جراء أخذ الدبورة خلية خاطئة من ربطة عنق فوينتس. فهي لا تعرف أين ينتهي الرجل؟ وأين تبدأ ملابسه؟ مثلما لم يميز النقاد في المؤتمر الأدبي، «أين ينتهي الكاتب؟ وأين تبدأ كتبهُ؟».
يخبرنا سيزار بسره الذي بدا خارج النص بعدما أخبرنا في مسرحيته، بأنّ الحبّ هو «المتاهة الشاقة» للبحث عن الآخر. ها هو يكشف عن هاجسٍ يمثل خلاصة الرواية. فشغفه باستنساخ الخلايا هروب من فشله في الحب. بالتالي، ولعه بالاستنساخ جاء رداً على فشل الحبّ في حين أنّ بداية البشرية ــ من وجهة نظر عالم في الوراثة ــ جاءت رداً في الاتجاه المقابل، وكان ظهور الحبّ فعلاً بشرياً ضد عملية الاستنساخ الإلهي. وبين هاتين الرؤيتين، راح الأديب يسرد خيالاته!