كلّ حركاتي الإغوائية، الجريئة منها والبريئة، الشهوانية منها والعفيفة، خرجتْ من نفس الكواليس: تقديري الشديد لذكاء المرأة. لا أستطيعُ سوى الإعجاب بهذا الذكاء، على الرغم من الصورة التي رسمها خيالي أيام المراهقة، وما زالتْ تتردُّد في ذهني إلى اليوم، عن رغبتي بامتلاكِ عبدةٍ جنسية، امرأة تستسلم لي دون أيّ تحفّظ، وتطيع رغباتي المجنونة. لا بدَّ أنّ ذكاء «نيللي» كبير الكميّة وفريدُ النوعية، وهو غامضٌ أيضاً، يهزمُ أفضل مهاراتي الكلاميّة، يهربُ من مراوغاتي، ويبقى لغزاً مستحيل الحلّ.


«إذن، هل أنا قادر على الحبّ؟»، سألتُ نفسي، «هل يمكنني حقّاً أنْ أحبّ بصدق؟ مثلما يحدث في المسلسلات الدرامية، مثلما يحدث في الواقع؟». هذا السؤال يتجاوز قدرتي على التصوّر، حُبّ؟ أنا أحبّ؟! أنا رجُـل العقل... المولَـعُ بجمالـيّـات الفكر؟! ألا ينبغي أنْ يحدث شيءٌ حتى يجعل ذلك ممكناً؟ إشارةٌ كونيّة ما، حدثٌ يقلب سيرورة الأحداث، كسوفٌ لأحد الكواكب؟
هناك قصّة قديمة، أقدمُ من أميلينا نفسِها. فحين التقيتُ بها، وقعتُ في العشق من النظرة الأولى، العشق الساحق العاصف المدمّر... لأن اللحظة الراهنة أرجعتْني سنواتٍ إلى الوراء، إلى زمنٍ كنتُ فيه عاشقاً ومعشوقاً. حين التقيتُ بأميلينا، كنتُ رجلاً ناضجاً، رجلاً فقدَ كلّ آماله في الحياة، رجلاً مهزوماً ومطعوناً في الصميم. آنذاك اعتقدتُ أنْ لا شيء سيُرجع لي شبابي الضائع، وبالفعل لم يرجعه شيء كما هو واضح. لكني عندما رأيتُ أميلينا، رأيتُ فيها صفاتٍ فائقة الجمال: صوتَها، عينيْها، أنوثةَ المرأة التي جُننتُ بها في العشرين من عمري. فقد سبقَ لي أن أحببتُ فلورنسيا الجميلة إلى حدّ الوَلَه (كان حبُّنا مستحيلاً)، وبكلّ جنون المراهقين، ولم أتوقفْ دقيقةً عن حبّها. لكنْ لم يُقدَّرْ لنا أن نبقى معاً، فسار كلٌّ منا في درب حياته، هي تزوّجتْ، وأنا كذلك، وسكنّا في الحيّ ذاته. في بعض الأحيان، ألمحُها عابرةً في الطريق مع أولادها الذين يكبرون في كل مرة... مرّتْ عشرون سنة، ثلاثون... ازداد وزنُها، تلك الفتاة الرقيقة الخجول التي كنتُ أعبدُها، تحوّلت إلى امرأة ناضجةٍ مفعمة باحترام الطبقة الوسطى... لا بدّ أنها قد صارت جدّة الآن. غريبٌ ولا يُصدّق! كيف تهرب الحياة سريعاً من بين أيدينا؟ بينما يبقى الزمنُ واقفاً بالنسبة إلى القلب؟!
* مترجم رواية «المؤتمر الأدبي» الصادرة عن «دار مسكلياني»