محاولة تقديم فعلة زياد دويري بوصفها قضية حرية وإبداع ليست سوى نوع من القنابل الدخانية الغاية منها التغطية على جوهر المسألة وصرف الأنظار عن جريمة التطبيع مع المحتل الإسرائيلي، وجعلها مسألة عادية وطبيعية لا ينبغي التوقف عندها أو مناقشتها ومحاسبة المتورطين فيها، وإلا أصبحنا رجعيين ومتخلفين ومكارثيين. فلسطين نفسها صارت في نظر هؤلاء موضة قديمة، وكل ما يتعلق بها لغة خشبية، كأن الحق لا يعود حقاً بتقادم الأيام ومرور الزمن. المحاولة الأسخف الأخرى هي شخصنة المسألة بوصفها نوعاً من الغيرة والحسد من نجاحات المطبّع وجوائزه العالمية. كأن المآخذ على فعلته تطاول رؤاه الإخراجية والسينمائية أو تطالب بمنعه من النجاح ونيل الجوائز. قطعاً ليس الأمر على هذا النحو.

مبروك عليه النجاح والجوائز، لكن السؤال مبرر ومشروع عن كلفة تلك الجوائز، نعني الكلفة الإبداعية والأخلاقية والإنسانية. فالاعتراض هو على سلوك ثقافي تطبيعي يسعى إلى تلميع صورة كيان الاحتلال وتبرير اغتصابه لِفلسطين بذرائع شتى، سعياً لمراضاة اللوبيات المؤثرة في عالم صناعة السينما والمهرجانات والجوائز، والفوز ببركتها ولو دوساً على دماء الشهداء وتضحيات الناس وحق الشعب الفلسطيني بأرضه وحريته. الاحتجاج على زياد دويري ليس اعتراضاً على شخص بعينه، بل على نهج كامل طويل عريض يسود أوساطاً ثقافية كثيرة تماشياً مع مشروع تحويل اسرائيل من عدو إلى صديق، والتعامل معها باعتبارها دولة «طبيعية» من دول الإقليم.
الأنكى من هذا كله تبرير فعلة دويري المستنكَرة والمدانة جملة وتفصيلاً بأنها نوع من التواصل مع فلسطينيي الداخل، على الرغم من كون فيلمه المنتَج والمنفَذ بأيدي إسرائيلية ومقابلاته على الشاشات الإسرائيلية لا يقولان سوى أمر واحد: لقد وقع الرجل في فخ التطبيع بملء وعيه وإرادته. لذا تغدو مساءلته ومحاسبته ودفعه للاعتذار أضعف الإيمان، ليس فقط لردعه عن تكرار تلك الفعلة، بل لردع أصحاب الميول «الإبداعية» التطبيعية ـ وما أكثرهم ـ من السير على خطاه متسترين وراء حرية الإبداع التي يجب أن تكون مكفولة ومصانة للجميع. المفارقة أن رافعي هذا الشعار اليوم دفاعاً عن الدويري هم أنفسهم مَن أدانوا فيروز يوم أرادت الغناء في عاصمة عربية عريقة مثل دمشق، ونكلوا بزياد الرحباني لأنه أدلى بآراء لا توافق ميولهم وأهواءهم، ولا زالوا يكيلون شتى التهم والإهانات لكل مَن يخالفهم الرأي. لكن سبحان الذي يُغَيِّر ولا يتغير، كل شيء مباح كرمى عيون اسرائيل ورعاتها وحلفائها القدماء/الجدد.


أما تذرع المعترضين على مساءلة دويري بالتوقيت، فنعيد أن تقادم الأيام لا يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً (زاهي وهبي)


أما تذرع المعترضين على مساءلة دويري بالتوقيت وبقِدم إنتاج فيلمه ومرور الزمن عليه، فنعيد ونزيد أن تقادم الأيام لا يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً. صحيح أن للباطل دولة الآن (اسمها اسرائيل) لا مجرد دولة، لكنها تظلّ دولةَ باطل مهما طال الزمان. بل على العكس تماماً، إن توقيت إثارة خطيئة (ليتها كانت خطأ) دويري التطبيعية توقيت ممتاز، لأنه يتزامن مع عرض فيلمه الجديد «قضية رقم 23» ومع نيله جائزة عالمية. أي في اللحظة التي عاد فيها اسمه إلى دائرة الضوء، وهي لحظة مناسبة لدعوته_في أضعف الإيمان_ إلى الاعتذار والكف عن تبرير ما هو مُدان ومرفوض من غالبية المثقفين والمبدعين العرب، وها هي مصر والأردن برهانان ساطعان على ذلك، فعلى الرغم من مرور عقود على اتفاقيتي «كامب ديفيد» و«وادي عربة»، لم يجرؤ سينمائي مصري أو أردني على تصوير فيلم في إسرائيل وبأيدي إسرائيلية، ولا على التذرع بالتواصل مع الشعب الفلسطيني عبر جسور محتليه.
وهنا نفتح هلالين لندعو حركة المقاطعة ومناهضي التطبيع على اختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية إلى فتح نقاش جدي حول ضرورة وكيفية التواصل مع شعبنا الفلسطيني في الداخل، ومع مبدعيه ومثقفيه الملتزمين والمقاومين، من دون الوقوع في شرك التطبيع. فالقطيعة مع فلسطينيي الداخل، ليست سوى خدمة مجانية للاحتلال وخطأ مزمن ينبغي معالجته لسحب تلك الذريعة الواهية التي يتسلح بها المطبعون، وشتان ما بين التواصل مع مبدعينا الملتزمين وأهلنا المقاومين في الداخل، ومحاولات تلميع صورة الاحتلال ومحاباته طمعاً بجائزة هنا ومهرجان هناك.
من حق دويري وسواه طرح الموضوعات التي يشاء ومعالجتها سينمائياً بالطريقة التي يشاء، ومن حقنا مشاهدة أعماله ومناقشتها ونقدها وإقامة حوار إبداعي معها، لكن ليس من حقه لا هو ولا سواه التطبيع مع الاحتلال تحت شعار حرية الإبداع. فالإبداع بذاته ليس صكّ براءة، بل على العكس تماماً، المبدع الحقيقي مطالب دائماً بالتعبير عن قضايا مجتمعه وناسه ولو من خلال النقد والمساءلة، لا من خلال الإساءة لتضحيات آلاف الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين والأردنيين والعرب الذين سقطوا على مرّ هذه المواجهة الضارية والمستمرة مع المحتل الإسرائيلي.
لقد سقط الزمن الإسرائيلي بالضربة المقاوِمة القاضية، وفرّ الاحتلال من أوسع البوابات يجرّ أذيال هزائمه، ولن يعود أبداً لا من شبّاك التطبيع والتبديع ولا من سواه، وسنظل نقاومه حيث يجب أن نقاوم.