تعليق السلسلة إلى حين إقرار الموازنة أو تنفيذها باعتماد إضافي إلى حين تأمين التمويل اللازم لها. هذه خلاصة الأفكار التي بحث فيها مجلس الوزراء، ليل الأحد الماضي، خلال الجلسة الاستثنائيّة التي عُقدت في السرايا الحكومية، للخروج من المأزق الذي أوقعها فيه قرار المجلس الدستوري القاضي بإبطال القانون 45 الذي استحدث وعدّل مواد ضريبيّة لتأمين إيرادات إضافيّة، مع بدء صرف الزيادات على رواتب موظّفي القطاع العام التي أقرّها قانون سلسلة الرتب والرواتب.


كلّ الخيارات التي طُرحت خلال جلسة مجلس الوزراء، تراها مصادر متابعة، بمثابة هروب إلى الأمام، ومحاولة من مجلس الوزراء لرمي الكرة المُلتهبة على مجلس النواب، على وقع الإضراب المفتوح والتحرّكات الاحتجاجيّة لموظفي القطاع العام والأساتذة والمعلّمين. وهو ما ردّ عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري، أمس، مطالباً الحكومة «بتطبيق قانون سلسلة الرتب والرواتب»، وقد علّق على قرار المجلس الدستوري بالإشارة إلى أن «المجلس النيابي هو الذي يسنّ القيود دستورياً وليس من يُسنّ عليه القيود، إلّا إذا أصبحت مخالفة الدستور قضية فيها نظر، فحكم المجلس الدستوري لم تأتِ به الملائكة»، وذلك بعدما ربط المجلس الدستوري تشريع القوانين الضريبيّة بالموازنة، مقيّداً بذلك حقّ هذه السلطة بالتشريع.

خيارات الحكومة

الانقسام في آراء مجلس الوزراء حيال سبل التصدّي لقرار المجلس الدستوري، انتهت بتعيين جلسة استثنائيّة لمجلس الوزراء تعقد اليوم للخروج بحلول. أمّا الخيارات الأكثر تداولاً، فتدرجها مصادر قانونيّة في سياق معالجة المخالفات الماليّة المرتكبة بمخالفات أخرى، كبديل من تحمّل السلطة السياسيّة مسؤولياتها حيال موظّفي القطاع العام، والقيام بواجباتها بإعادة الانتظام إلى الماليّة العامّة عبر إنجاز الحسابات الماليّة (قطع الحساب) وإقرار الموازنة العامّة. وأبرز هذه الخيارات هي:
1- إرسال قانون معجّل مكرّر إلى المجلس النيابي لتعليق قانون السلسلة إلى حين إقرار الموازنة.
2- تطبيق قانون السلسلة بعد إحالة مشروع قانون على مجلس النواب لفتح اعتماد إضافي أو تأمين سلف خزينة إلى حين إقرار الموازنة.
3- إحالة مشروع قانون على المجلس النيابي لتجميد قانون السلسلة لمدّة شهر أو شهرين، يتم خلال هذه الفترة إقرار الموازنة، وتأمين إيرادات تمويل السلسلة (الضرائب) من ضمن الموازنة، أو من خلال القانون 45 بعد إجراء تعديلات عليه تتماشى مع رأي المجلس الدستوري.

حلول تجافي الدستور

يعلّق المدير العام الأسبق للمحاسبة العامّة في وزارة الماليّة تميم موسى، على الخيارات المطروحة، مشيراً إلى أن «تعليق قانون السلسلة بقانون آخر إلى حين إقرار الموازنة أمر غير دستوري وقابل للطعن، إذ لا يجوز سحب هذا الحقّ المكتسب، أي الأجر، المصون دستورياً. كذلك فرضت المادة 87 من الدستور قيداً على إقرار الموازنة ونشرها، وهو وجوب إقرار الحسابات الماليّة للدولة (قطع الحساب)، وتالياً إن ربط قانون السلسلة بإقرار الموازنة يفسّر عملياً بمحاولة توقيفها أو إلغائها».
أمّا لناحية فتح اعتماد إضافي أو تأمين سلف خزينة لصرف الرواتب وفق القانون النافذ إلى حين إقرار الموازنة، فيقول تميم إنها «محاولة من مجلس الوزراء للتملّص من واجباته بتنفيذ السلسلة، باعتبار أن قانون السلسلة أجاز فتح اعتمادات، وما من داعٍ لطلب فتح اعتماد إضافي لدفع الرواتب.


تعليق السلسلة إلى حين إقرار الموازنة غير دستوري وقابل للطعن

إضافة إلى أن الصرف بموجب سلف خزينة لا يجوز، لأن هناك احتمالاً بأن لا تقرّ القوانين المتعلّقة به. كذلك فإن هذه الطريقة مخصّصة لإجازة الإنفاق في المؤسّسات العامّة والبلديات، في حين أن الإدارات تنفق بواسطة الاعتمادات. فضلاً عن أن وزارة المال سبق أن أعلنت إنجازها جداول دفع الرواتب وفق السلسلة الجديدة». وفي ما يتعلّق بتجميد قانون السلسلة لمدّة شهر، تُقَرّ خلالها الموازنة من جهة، وتُشرَّع الضرائب من ضمنها أو من خلال القانون 45 بعد إجراء تعديلات عليه من جهة أخرى، يقول تميم إن «الموازنة ليست وسيلة لتشريع الضرائب، فقانون الموازنة مخصّص لدراسة اعتمادات الموازنة وبنودها حصراً، ويتعلّق مباشرةً بتنفيذ هذه الموازنة المُعدّة. والضغط بعكس ذلك، تترتب عنه مخالفات دستوريّة وقانونيّة، لكون الدستور حدّد في المادتين 81 و82 آليّة فرض الضرائب وتعديلها وإلغائها بقوانين شاملة. وتالياً إن وضع الحكومة تحت هذا الضغط لتمرير الموازنة يعدُّ وسيلة لتهريب وتمرير تشريعات ضريبيّة ذات أبعاد اجتماعيّة واقتصاديّة وماليّة دون فسح المجال أمام دراستها ومناقشتها والاطلاع على كلّ تبعاتها. إضافة إلى أن قانون المحاسبة العموميّة الصادر في عام 1953 حدّد أصول إعداد الموازنة وحصرها بإجازة الجباية، وفتح اعتمادات الإنفاق، والأحكام المتعلّقة مباشرة بتنفيذ الموازنة».




هل تلجأ وزارة المال إلى المادة 118 من قانون المحاسبة العموميّة؟

تشير مصادر إداريّة إلى إمكانيّة لجوء وزير المال إلى المادة 118 من قانون المحاسبة العموميّة لتعليق اعتمادات السلسلة لمدّة شهر، تُجرى خلاله التعديلات على القانون 45 بما يتماشى مع قرار المجلس الدستوري لضمان تأمين إيرادات للخزينة. إذ تنصّ المادة 118 على أن «لوزير الماليّة إذا وجد ضرورة لذلك أن يقترح على مجلس الوزراء وقف استعمال بعض الاعتمادات المرصدة في الموازنة. ولمجلس الوزراء أن يقرّر الموافقة على الاقتراح إذا كانت الظروف الراهنة تبرّر اتخاذ مثل هذا التدبير». وهو ما تعتبره المصادر نفسها «محاولة لإيجاد التفافات، لكون لا علاقة لهذه المادة التي تطاول الاعتمادات المرصدة بالموازنة، بالسلسلة التي أقرّت بقانون وفتحت اعتماداتها وباتت اعتمادات معقودة بحكم القانون، وتالياً لا يجوز تجميدها ولا تعليقها».
في المقابل، يشير تميم موسى إلى أن هذه المادة قد تكون المخرج الوحيد غير المعرّض لأي طعن في المجلس الدستوري لكون صلاحياته محصورة بدستوريّة القوانين والطعون الانتخابية، لا بقرارات مجلس الوزراء، ولا في مجلس الشورى الذي يصدر قراراته في أي تدبير بناءً على وجود نص قانوني فيه من عدمه. مع الإشارة إلى أن هذه المادة تسمح بتعليق الاعتمادات، أي تعليق تنفيذ القانون لا القانون، وبظروف معيّنة، على أن تدفع لاحقاً مع مفعول رجعي».