لقد تحوّل إلى شيخ شكسبيري الطابع والتاريخ. عمر الشريف المصاب بالزهايمر في ختام حياة حافلة، يصارع أشباحه في مصحّ علاجي. يعتصر ذاكرةً اختزنت آلاف الحوارات، لتذكّر اسم الطيف الماثل أمام عينيه الناطقتين. «الشريف علي» و«يوري جيفاغو» و«جنكيز خان» و«تشي» و«عبد الرازق الشرشابي» و«أيوب» و«الأراجوز» و«السيّد إبراهيم»، وحبيب فاتن حمامة في ستة أفلام، وتنويعات الشاب الرومانسي، وابن الذوات، والوسيم العابث.


لم يحتمل العربي الأهم في الأفلام الأجنبية، اضمحلال أهم سلاح لرجل بتاريخه: الذاكرة. يُروى أنّه امتنع عن تناول الطعام والشراب خلال أيّامه الأخيرة، غير عالم برحيل حبيبته الأثيرة. هذا إصرار شخصي على تطويع القدر، واختيار النهاية بإرادة حرّة. هو الزاهد بعد التهام تام للحياة طولاً وعرضاً. الناسك بعد مغامرات لا حصر لها. النزق صاحب الأفعال الحادّة، عند التقاط صورة، أو دفع مال لعامل مرآب. الشاهد على عصور وتحوّلات فنيّة وسياسيّة. الراسخ في عالم متحوّل، والثابت في رياضيات لاهثة. المتذمّر الحانق على ذاته قبل الآخرين. عمر الشريف بلغ مرحلة «مارلون براندو» في المحطّة الأخيرة. لم يعد يكترث كثيراً لمنجزه، أو حتى للسينما، رغم بصمته الباقية في العلب والبكرات. في فترة ما، كانت الحياة بالنسبة له جولة «بريدج» رابحة، أو رهاناً صائباً على حصان، أو عشاء مع امرأة جميلة. بعد تأمين ابنه الوحيد طارق، لم يتردد «ميشال شلهوب» في تبذير الملايين. أصلاً، هو معتاد على الحياة الكريمة.
زميله في «كلية فكتوريا» يوسف شاهين، ألقاه أمام نجمة الشبّاك فاتن حمامة من دون مقدّمات. في «صراع في الوادي»، اعترف لها بحبّه. منحته «قبلة الحياة» في مشهد بات أسطورةً في الذاكرة السينيفيليّة العربية. سريعاً، أشهر إسلامه، وتمّ الزواج الوحيد في حياته. كانت هذه فاتحة نجاحاته المصريّة مع كبار المخرجين، منهم كمال الشيخ وعاطف سالم والسيد بدير ونيازي مصطفى وفطين عبد الوهاب. قبلة أخرى أحدثت زلزالاً في مسيرة الشريف. بعد اقتحام هوليوود من بوّابة «لورنس العرب» لديفيد لين، لعب دور اليهودي «نيك» أمام باربرا سترايسند في «فتاة مرحة» (1968) لوليام وايلر. القبلة بينهما أثارت سخطاً عربيّاً بعد هزيمة 1967، على اعتبار أنّ سترايسند يهودية. هكذا، أسقطت عنه الجنسيّة المصرية أواخر عهد عبد الناصر، قبل أن تُعاد إليه «أيام السادات». قبله، وقف «الدنجوان» أمام أسماء ثقيلة. نجح ثانيةً مع ديفيد لين في أداء استثنائي لـ «دكتور جيفاغو». واجه أنطوني كوين في «انظر الحصان الشاحب» (1964) لفريد زينمان، وشهد مع صوفيا لورين «سقوط الإمبراطورية الرومانية» (1964) لأنطوني مان. بالمقابل، حقّق حضوراً عادياً في «جنكيز خان» (1965) لهنري ليفين، و«الموعد» (1969) لسيدني لوميت، ثمّ باهتاً في «تشي» (1969) لريتشارد فليتشر. يبقى «السيّد إبراهيم وأزهار القرآن» (2003) لفرانسوا دوبيرون من ألمع تجليّات الشريف وأكثرها روعةً (جائزة «سيزار» أفضل ممثّل).
قسى النقاد كثيراً على الشريف. بعضهم تجاهل نتاجه ليتفرّغ لمغامراته وغرابة أطواره. آخرون تناولوا فقط قبوله اللعب في أفلام لا تكنّ الودّ للعرب. «آشانتي» (1979) لريتشارد فليتشر مثال على ذلك. عمر اعتذر عن عدم أداء دور البطولة لصالح مايكل كاين، مكتفياً بدور صغير، بسبب تصوير جزء من الفيلم في إسرائيل. الهجوم العربي الشرس، قابله امتعاض صهيوني بسبب مكانته المتأصّلة في هوليوود والعالم. الحقيقة أنّ الشريف اختار خوض اللعبة حتى النهاية. غامر وجرّب وأخطأ وأصاب. قبل بعقد احتكار لسبع سنوات مع استوديو «كولومبيا»، وارتضى بالأدوار الصغيرة بعد سنّ الخمسين، معوّضاً بأدوار أخرى في السينما المصرية التي عاد إليها في التسعينات. عاش كما يحلو له، وعرف الحسناوات، من دون أن يغادره وجه فاتن حمامة الملائكي، حتى بعد وقوعه في شرك الزهايمر. «كل في الكل» يستحق صاحب «الأسد الذهبي» عن مجمل أعماله، أن يُقرأ كما هو. ما زال في جعبته شريط أنيماشن قصير بعنوان «ألف اختراع واختراع وعالم ابن الهيثم» (2015) لأحمد سالم، سيحمل صوته قريباً من العالم الآخر.