في صيف 1992، فيما الحصار، الحصار الدولي، قد بدأ يقصف بمنجنيقاته أسوار المدينة، حصلتُ على زادي، حصتي من الهواء والخبز، وهو عبارة عن نسخة مصوّرة، بسرّية تامة، من مجموعة سركون بولص الثانية: «الحياة قرب الأكروبول» [دار توبقال، 1988]. لا أستطيع أن أجزم أن هذه المجموعة كانت سبباً في هجرتي من العراق، لكنها — إضافة إلى مجموعة «الوصول إلى مدينة أين» — كانت معي، أنيستي، أينما حللت، بنسختها المصوّرة، والتي اسمرّ لون أوراقها، وبدأت تفقد جملٌ كثيرة منها ملامحها ككتابة، لكن... لا يهم، فقد أكلتها، وتمثلتها، حتى أصبحت جزءاً مركزياً من ذاكرتي القرائية، وبشكل لا يمكن إنكار تأثيره الخلّاق في شِعري.


بعضُ الشعراء، من أصحابي، يومذاك، ممن تورطوا بمأزق التعبئة والتعمية في الشعر العراقي، في الثمانينات، لم تعجبهم المجموعة، بل إن بعضهم وجدها أقل من أن تُصوّر، وأن تتداول بسرّية، فليس فيها ما يشي بأهمية متعارضة أو متخالفة أو ناقدة للنظام، على الرغم من أنهم كانوا — يومذاك — جزءاً مهماً من النظام الثقافي، وأعتقد أن شعورهم بخيبة الأمل، حينذاك، كان نتيجة كونهم على وشك أن يتبرأوا مما اقترفوه، طوعاً أو كرهاً، إذ كان التقييم النقدي شبه غائب، ولم يتوفر منه إلا الانطباع كون المادة الإبداعية مع أو ضد، خاصة إذا كانت تلك المادة قادمة من عراقيي الخارج، أي من خارج منظومة التعبئة والتعمية.
لهذا السبب — ولغيره — بقي شعر سركون بولص غريباً عن الشعرية العراقية. بكلام أدق: عند أغلب الجيل الجديد من الشعراء، يبدو شاعراً ملغّزاً، ومحيّراً، لا يمنح نفسه بسهولة، وهناك همس — سبق أن نوهت عنه — عن كونه لا يستحق الحفاوة التي قوبل بها غيابه، إذ ما زال النقد العضوي غافلاً عنه، وما زالت قصيدته أبعد عن التداول اليومي، لثقل محمولاتها، والتي منها ما سأبين، وإن على عجالة.
لقد رصدتُ — مبكراً — ثيمة مركزية في شعر سركون، وها إني أجد تطويراً، بل تعميقاً لها، في هذه المجموعة: «الحياة قرب الأكروبول». بالإضافة إلى كونه شاعراً متميزاً، يمتلك بولص — إضافة إلى الشاعر صلاح فائق — موهبة أساسية، هي الأخرى، وأعني بها: موهبة التسكع، وهو مما جعل حياته عبارة عن مقطع طويل من الترحال، التشرد والسفر، في خوابي العالم. إنه ميل فطري للهرب نحو شيء ليس بعينه، وهذا ما أضفى على «أبطال» شعره، أغلبهم، سمة التيهان، باعتبار هذا الأخير موقفاً، وليس نزهة، غاية لا وسيلة.
قد تبدو مفردة المتسكع شائعة، أليفة أو قد ابتذلتها يدُ التداول، لكنها هنا تقع في قلب المعنى الذي أراده سركون، حين كتب ملاحظته في نهاية مجموعة «إذا كنتَ نائماً في مركب نوح» عن قصيدة «حانة الكلب»، أو القصيدة الأصعب — في تقديري — التي كتبها سركون، والتي لم أعثر على مفاتيحها الأسلوبية، على الأقل، إلا بعدما قرأت رواية «على الطريق» للشاعر جاك كيرواك، لكن هذه قصة أخرى.
كتب سركون: «كان هذا العنوان — أي: حانة الكلب — قد خطر لي وأنا أسوق سيارتي في شارع «الطريق الملوكية».. لم يكن ذا مغزى جليل، بالنسبة إليّ، في حالتي تلك، لولا أنني لاحظتُ في الطريق، بالصدفة، يافطة على باب بار استرعت انتباهي للحال لفرط غرابتها، وتوقفت عندها كأنني وجدتُ سر أميركا أخيراً: «حانة الكلب» حرفياً «حانة الكلب على طريق الملوك». والملوك هنا، طبعاً، يُقصد بها ملوك الروح، مما يزيد الطين بلة، ذلك المعنى المتأجج بين الكلبية والقداسة».
يقرر القاموس العربي معنى «المتسكع» فيعرّفه كما يلي: «يتسكع في الشوارع بلا هدف: يتشرّد، يتكأ، يتيه، يظل..» وهو تعريف يخص المدن القديمة، أو يخص زمناً كانت فيه المدينة عبارة عن أزقة وشوارع ضيقة ومحدودة، لكن ڤالتر بنيامين في دراسته عن بودلير — كما ينقل فيصل دراج — يميّز بين ثلاثة أنواع من البشر في الزحام: «إنسان الزحام الباحث عن مكان ضيق بين المتدافعين، قاصداً الوصول إلى مكان يعرفه، المتبطل الذي يبدد وقته بلا هدف ولا غاية، والمتسكع المنصرف إلى الملاحظة والمراقبة.. كما لو كان تأمل الزحام عملاً نوعياً، يراكم الخبرة، وهو يراكم صدمات متعاقبة».
وإننا — دون شك — نقصد النوع الثالث أعلاه، في هذه المداخلة، وهكذا إذا كان بودلير متسكع باريس، المدينة الكبيرة في بداية تحولها إلى العصر الصناعي، فسركون كان متسكع الفضاء المفتوح، متسكع المدن النائية والكبيرة معاً، ومتسكع الموسيقى والأفكار أيضاً، حيث العالم كله مجرد بلدة، تتغير ملامحها، حسب تغير قاموسه الشعري، لكن التسكع واحد، وقد دأب على تطويره، قصيدة بعد أخرى، من جلجامش، في رحلته الخرافية، إلى «الشخص العراقي في آخر الزمان»، مروراً بالجندي الذي يطعن المسيح، وبأبطال الملاحم والروايات..
في مجموعته البكر «الوصول إلى مدينة أين»، كتب سركون: «طيلة سنوات تجرني اليقظة من ثيابي، إلى أماكن لم يرها أحد، إلا نائماً أو مخموراً». وكتب: «كنتُ أركبُ الشوارع أيضاً، محمولاً على موجة المواصلات، بين الجميع ولا أحد»، وأيضاً: «أحذيتي تحلم بالطريق»، وقال أيضاً: «دون خارطة، دون أن ينتظرني أحد حيث أذهب، ولا أحد ينتظر عودتي. دمائي العمودية وحدها تذكرني بأنهار وطني، وفي كل بلدة عيناي الوفيتان أمتعتي الوحيدة». وكتب أيضاً: «هناك باخرة ترعى في أحشائي»، إضافة إلى مئات الشواهد، في هذه المجموعة، التي تشير إلى المتسكع الذي لا يصل إلا ليرحل، والذي إذا أقامَ رحلَ، في داخل نفسه، كي يواصل الرحلة، لكنها إقامة المتوتر، القلق، الطائر المتحفز للطيران في أية لحظة.
في قصيدته «جسدي الحي في لحظته»، يكتب سركون: «وجهي معلّى للسماء وما من زاوية للتنحي/ شَعري معفّر بأتربة الشمس، والهواء يدخل قمرات سفينة/ أبعث بها إلى البحر، بين آونة وأخرى، مصنوعة من كلماتي/ لا، لستُ الطريح الذي قد تتخيل، على سرير انعزالاتي/ أبعد من أن تصلني صيحاتك المجيدة»، وفيها يبدو تعب «المتسكع»، لكنه تعب الجسد، بل إن مجموعته الأخيرة «عظمة أخرى لكلب القبيلة» هي التجلي الأخير لهذا التعب. في نفس القصيدة أعلاه كتب سركون أيضاً: «جسدي الحي في لحظته، هذا التنور الذي لا يكفّ عن تدوير الأرغفة للجياع المزدحمين على بابي»، في إشارة بليغة لثمار هذا التعب!
* شاعر عراقي