في المدينة التي تطرق أصواتها أذني، تقودني الى البدايات القصية لمواجهة ذاتي في الأماكن بصفتها شكلاً للتفكير. وهذا ما يجعلني في مقابلة بين نمطين من التفكير، وأقصد نزعة التمدن التي فرَّغت الحضارة من كينونتها وتحولت المدن بسبب ذلك الى تجمعات بالصدفة لا يربطها دم أو ثقافة أو روح، فأصبح الإنسان عقيماً على حد قول شبنغلر.


الأمر الثاني هو صيغة التفاعل مع الانسان المعاصر في المكان المستلب في المدينة، كمنتج للافكار والصور المفاهيمية كالرموز والبنايات وغيرها، و«أنا» الشاعر بصفتها شكلاً للتفكير المعاصر، يحمل كل من هذين التكوينين أدواته للقول والتنافذ، عبر تحولات اجتماعية وفكرية وسياسية قدمها كل من هوركهايمر وادورنو في الدراسات النقدية في الاربعينات من القرن الماضي. وأقصد هنا التمثيل الرمزي والمادي للإنسان المجرّد بصفته الموضوع المكرَّس لتلك التحولات.
يدخل سركون بولص عبر هذه المعادلة بصفته ابناً لمكونات ثقافية وجسد اجتماعي مختلف وهامشي، حيث المدينة البترولية (كركوك) ذات بعد غربي استهلاكي للاقتصاد الطاقة وصراع القوى الكبرى في العالم، وما زال الأمر خاضعاً لهذا الأمر حتى اليوم، والعراق بصفته حاضنة حضارية ترتدّ على نفسها في كل مرة يحاول مبدأ التمدن الغربي الانقضاض عليها، بما أنّ التجمعات السكانية في العراق هي سليلة ثقافات حضارية ودينية عميقة الجذور، لكنها شُوّهتْ. وبعيداً عن المجريات الواقعية للتواصل مع الشركات النفطية وأبعادها الأخرى، صار لزاماً على سركون أن يبحث عن مدن أزلية لعالمه الشعري، منطلقاً من مبدأين أساسيين هما:
1ـ الثقافة المكونة لسركون بصفته غير عربي يكتب باللغة العربية، وهذا له أبعاد أخرى أقلها الاختلاف الديني الاسلاموي والقومي العروبي في مرحلة الستينات وما بعدها، وحضور فكرة اليسار الشيوعي بقوة بصفته الند للتوجه القومي المطلق للشوفينية البعثية التي جاءت بقطار أميركي كما نعلم.


ابن مكونات ثقافية وجسد اجتماعي مختلف وهامشي

2ـ الهامش الثقافي المسيحي والجذر الاشوري العراقي الذي يعود لاشور بانيبال (669-629 ق.م). وهذا الموضوع لا يهم سركون بقدر ما يهمني كقارئ لسركون بصفته هامشاً مضاداً للثقافة العروبية واللغة العربية.
3ـ اللغة العربية بصفتها لغة قابلة للتواصل المعاصر، وهذا ما جعل سركون يعتمدها في أغلب نصوصه بصفتها دالة على المكان والثقافة المختلفة مع المدينة الغربية. التمسك بالكتابة العربية يعني التمسك بفاوستية شبنغلر كما اعتقد.
4ـ المعاصرة الفردانية للذات. وهي تحمل غربة الإنسان في ظاهرة القمع والعنف الرمزي لوسائل التواصل والإعلام والثقافة الاستهلاكية لدى أدورنو، وهو ما أدى الى ظهور الهجنة الثقافية في المجتمعات المعاصرة، لأن المهم ليس التعايش مع الآخر بل التشيؤ والتذويب الاعلاني للوعي.
أتحدث هنا عن مرحلة تحولات حاسمة في العراق، لحظة البعد الواحد لماركوزة وحجم تأثيرها الفعال في الستينات وهيمنة الفكر الوجودي للمجتمع العراقي لدرجة التماهي والتقليد والاستعادة البوهيمية لمجموعة كركوك بشكل عام. إنهم كوزموبالتانيون رغم محليتهم الثقافية، هامشيون لدرجة أن السياسة والايديولوجيا مسحتهم من ذاكرة مجتمع مختلف الاعراق وأقصد العراق، لأن التأثير لم يكن للثقافة بل العنف السياسي للعصبية العروبية للمثلث العروبي (مصر/ سوريا/ العراق) وهذا ما جعل المد التحديثي في الشعر ينتمي للمثال وليس الواقع. ينتمي للشكل وليس الانسان بصفته لعباً كما يريد شيلر، لكن فهم المفهوم شيء وتداوله شيء آخر في العراق والوطن العربي.
الحقيقة إن نمط فهم الثقافة العراقية صعب للوصول الى ظاهرة المسرحة. اذ يقول نعيم قطان «إن انزعاج الشرق ناتج عن عجزه عن فصل المسرح عما هو واقع معاش»، كما لو أن هذا الفارق هو جوهر الموضوع لدى الأقليات العراقية، ومنه إلى سركون الذي يعتقد أن الشاعر غريب في كل شيء حتى إنه يصرح بذلك في إحدى قصائده قائلاً: «ثمة غربة تفضي الى غربة»
لذا، فإنّ التنصل من المكان والمدن الأصيلة هو التنافذ عبر مدن متخيلة لا تعرف علامة يقينية لثقافة محددة حصراً، لكنها التعريف بالذات أولاً، إنها هي وليست غيرها، تلك التي تمنح اللغة تنافذاً غير مشروط للوقوف على حقيقة الغربة والضياع بسبب اللغة العربية أولاً، ونشاز الاعتراف بالحقيقة ثانياً. ترى ماذا يحدث لو أنّ سركون انتمى لفكرة غير الشعر؟ لن يكون سركون هو ذاته، لكنه المدن المستعادة بأكثر من باب للدخول، وهو ما يعني نمط التفكيك المفضي الى أكثر من دال لا نهائي للنص السركوني. سنكون محتالين بالسليقة لأننا ممسرحون حسب نعيم قطان. والواقع مسرح دلالي للثقافة العراقية التي أنتجت سركون وجماعته شعراً وقصة وكلاماً ومرآة للوصول إلى المشهد العام للمكان، كما هو لا غير. كان سركون ينتمي للثقافة وليس المكان بصفته الكونية. ولهذا، نجده يتبدى عبر مشاهد الطعام والممارسة اليومية للوجود اللحظوي بصفته المعاش كما هو، لكنه التيه أبداً.
سركون بولص هو تيه الحداثة العراقية وليست العربية، لأنه لا ينتمي الى مكان بل الى ثقافة ترتوي من الأصول الثقافية للبوح الشعري دون الحاجة الى انتماء مذهبي ويقيني فاضح ومؤدلج، غريب عن الذات المكانية، بل الى المدن بصفتها أبواباً لا تنتمي إلى حد ممكن، بل تتجاوز المتاهات الى اللاأدرية والقدرية الشرقية بصفتها المنطلق العقائدي والثقافي المتاح للتداول في ظل صراع شرس لا يقبل التعايش مع الفاوستية الغربية ولا الشرقية الروحية، بل الى المسرح الشرقي بصفته ممثلاً لمسرحة الحياة في الخطاب الشعري، وممثلاً لاستلاب أدورنو المديني الغربي بكل ما يحوي من غوايات غريزية للبدايات. كن بخير صديقي سركون، وسوف أكون غريباً في العالم مثلك.
* شاعر وتشكيلي عراقي