رجلٌ خلف ستارة


ماذا يملأُ عينيْ رجلٍ
مريضٍ بالقلبِ خلفَ ستارتهِ
عندما يَرى
طفلتينِ تلعبانِ في أرجوحةٍ
ويسمعُ صوتَهما
الشبيهَ بالغناءِ عندَ الغسق
مختلطاً بصريرِ سلسلةٍ
صدئة ...

هل تذكَّرَ المبضعَ الصامت
حين غزا بُستانَ طفولتِهِ الضائع
الخبيءَ في أدفأ زاويةٍ
من زوايا قلبهِ
المهزوم؟

شيءٌ لا اسمَ لهُ
يثقبُ الغروبَ، كلَّ غروبٍ منذ الآن
كجلدٍ قديمٍ نَضاهُ عنهُ
في سريرِ مستشفى.


هو الذي يأتي

يَأتي من الْمَدى، لا نعرفُ مَتَى، يأتي
لكنْ بعد وقتٍ
نصبرُ فيهِ طويلاً
نأكلُ فيهِ خبزَ الحكمةِ المُرّ
قد تكونُ ليلةً
أرقةً
قدْ يكونُ عمراً يمرُّ في رمشةِ عَين.

بينَ اتجاهِ السَّهْم
وخطوةِ المسافر
بين غناءِ زيزانِ الحصادِ كآلاتِ خياطةٍ قديمة
وصمتِ الحقولِ المثقلِ بذكرى
آخرَ الأعاصير.

دودةٌ تسقطُ من أنف إنكيدو:
وإذا بِهِ، جلجامش –
لا ملكٌ هو، وما من أوروك.
ليسَ سوى فروةِ الذئب، والبراري.

يأتي من المدى، يأتي. لا أحدٌ يدري متى، أو أين.

الوثبة

لأنَّكَ لمْ تظهري جعلتَ الوثبةَ تنتظرُ في مجراها
على عمقٍ يوازي عمقَ الرغبةِ في أوجِ انتصابها، وحاولوا أنْ يكسروا
على الصخورِ المعلَّقةِ في صدرِ كلِّ من رآني أقايضُ العصفورَ مخدّة من الريش،
مزمارَ الظلام بحجّةٍ تدلي اليّ حبلِها المغزولِ من أليافِ أكاذيبي
هذه الكومةَ من الحصى العاديّةِ بعروسٍ فرغانة، أنْ يكسروا هذه الرغبةَ في مهدِها
كمركبٍ عاصٍ تحتَ رأسَ الربِّ المرقّط كثعبانِ الجنَّةِ بالوعود.
ببخار لهاثي رسمتُ حولكِ دائرةً ومن أجلِكِ رأيتُ النائمين يبيعونَ حولي
ويشترونَ أثريّاتٍ ليليةً من عهدِ بابلَ خلفَ جدرانِ الأرقِ في الجهةِ الثانية،
يغرفونَ ليلي بالأكفِّ والهروبِ منهُ ولكنْ طويلاً يقْدحك أمامي
بشكلٍ لايُطاقُ أو يُضاهى: نارُ الجديلة الجنسيّة تطاردني
لآلاف السنين! وجهُك المسبوكُ من الهالاتِ يجري وراء يديّ في الطرقات.

لعابُ الفريسة يجدلُ الطريقَ إلى البيت
مقطَّراً لأنَّكَ لم تظهري.

حلم ليلة صيف

كم أبعدُ الآنَ
عن طَرَفِ البستانِ
حيثُ كنتُ في ليالي الصيف
أتربّصُ بمراهقةٍ حيرى
لا تستطيعُ أنْ تنام؟
وكمْ سأمشي
لأبلغَ المكانَ الموعود..
عبرَ أيّةِ أرضٍ نائيةٍ، نائيةٍ وملفوفةٍ بالموت
حيثُ مازالوا ينادونَ
وهذا حطامُ الجسر
الذي كانَ سيحمِلُني إليهِمْ.

أينما كنت دمُ العالم

أينما كنتُ
دمُ العالم يغلي
باحثاً
عن جسدي
أينما كنتُ
وهذا الحلمُ مصلوبٌ على صدغي كربّانٍ على دفّة مركب
حاملاً قوسَ حياتي
وطناً شدّ إلى أقصى مَدَاه
نحو نهرِ الانتفاضاتِ الأمنية
نائماً تحتَ فنارِ الصبرِ. وجهي
ليسَ وجهي
حاملاً بيتي في قلبي كعيدان ثقابٍ
حاملاً عائِلَتي فوقَ لساني
وطني في قبضتي...

كنْ وَاحِدَاً

أنْ نَبدأ، هَذا كلُّ شيءٍ
شيزاره بافيسي

تسكّعْ في الخراب
راكلاً
بعضَ الجماجمِ
أو تجوَّلْ في الجبالِ
أو انحدرْ في الفَجْرِ إنْ شئتَ
الى الطرقاتِ حيثُ تطوفُ أشباحٌ
مطوقّة الرقابِ عيونُها في الأرض
تبحثُ عن هدايا
قد يجودُ بها الترابُ عليكَ أنْ
تبدأ يوماً
آخرَ.
هذا
هو الإكسير.
هذهِ لحظةٌ
لنْ تتكرّرَ. معبدٌ
متنقلٌ في رابع الأبعاد
( كلُّ ضيوفك انصرفوا.
ملاكُك لنْ يزور..)
لذا
تذكّرْ دائماً:
كُنْ عابداً.كنْ
شاهداً. كنْ واحداً.
حاولْ..

ستجلسُ في النهاية
حيثُ لا مائدة. صحراءُ
صوتك في يديك.
وسيبدأ الليلُ
عميقاً
في الحجارةِ
والزمانِ.
وقد تنامُ
وتستعدُّ لحادثٍ ناءٍ
ينيرُ يديكَ منذُ الآن
غارقتينِ
في زنزانةٍ
الوعدِ.

قصيدة

كنتُ أرى رأس الصُّدفة
مشعّثاً، وقدْ أتى من بينِ العواصف
أنثوياً، لأنني تبعتُ أنوارَهُ الضئيلةَ
حتَّى هبطتُ بأمتعتي في حنجرةِ الأرض
مُتضوِّراً من جُوعي إلى الحب
وكان اعتمادي
طويلاً، ولكنني
تركتُ مدينةَ النومِ الخضراءِ هذه أخيراً
إلى هذا الشارع الذي أفقُهُ، نظيفٌ
كصحنِ عائلةٍ جائعة
ومن بينِ أسراره،
نبيٌّ
يتسوّلُ رسالةَ توصيةٍ من صالبيه

رسالة إلى صديقة في مدينة محاصرة

ينتهي الكلامُ
بعدَ أنْ يعبرَ الأعداءُ خطَّ الهُدنة
بيني وبينكَ الأنواءُ
تقلبُ الفناراتِ على ظهرِها
في أفواهِ الموانئ الملغَّمةِ بأحذيةِ الْمُسافرين
هذهِ الحجارةُ
لثمها عُبَّادُكِ الحائرونَ
بشفاهٍ ملأتْ أصنامَ الصحارى بالغيرةِ
والجدرانُ من خلفي
تتهاوى على مصلّيها
وجميعُ الجسور انهارتْ باختيارها
لكي لا يعبروا
لكي لا يصلوا المشعلَ
عميقاً في مهبلِكِ العميق
يغدّي أحلامَنا بقمحِ السَّحَرَة المجوِّع
برسائلَ مؤلّفةٍ من حمّى مُرسليها
وهي نارٌ خالصةٌ
أضاجِعُكِ عَاريةً في الكَرْمة الخالدةِ بالدم
مُقامراً بكلَّ شيء على فرس النشوة
أريقُ بصيحاتي المتواصلة
ظلَّ وطني المسافرَ أَمامي
دون أنْ أنظرَ إلى الغد
حتَّى نظرةً واحدة
زارعُ الألغامِ في صوامعِ الحكمة
صائدُ فئران المملكة في قبضةِ الطاعون
وهذه المراكبُ
هذه المراكبُ في طريقِها إلى مَراكزِ التجارة
حيث حرائقُ المالِ عظيمةٌ
يرى نيرانَها العراةُ من شُرفاتِهمْ
وهي تتأرجحُ على ظفرِ الهاوية
يراها سجينٌ هاربٌ يتردّد
في طريقِهِ إلى النَّهرِ
حيثُ ينتظرُهُ دائماً
قاربٌ مربوطٌ إلى الأغْصانِ
الإشارات السائلة إلى الوديان
من المنفى الذي يحملُهُ
قفصاً من الريشِ
في يديهِ
تتحدُّ بأذرعِ الموكبِ
في هذهِ الأثناءِ
بينما يُحتفَلُ بأوّلِ عدوٍّ
يُسلّمُ نفسَهُ للسكّانِ
في الجانبِ الشرقيِّ من المدينة
تفرّقَ عبّادك الحائرونَ إذن
في طُرقٍ مسدودةٍ
تطفو كبقايا سفينةٍ حُطّمتْ بالفؤوسِ في مداخِلِ الأقدام
شُوهدوا
وهُمْ يعرجونَ بمهارةً
تفادياً للرصاصةِ التي تنزحُ
خلفهمْ بثباتٍ
ولكنْ بطيئةً
كأنها تشقُّ طريقها في جليدِ النوم
وسيكون طريق
نعبُرُهُ مرَّةً واحدة
أعِدُكِ بهذا
واثقاً من النهاية المريرة
فالكلامُ سينتهي
بعدَ أنْ يعبرَ الأعداءُ خطّ الهدنة
حيث ننتظرهمْ كلانا
بعنقودٍ من معجزات النار
يتدلّى من ثَغْرهِ في مبكى الحقيقة.
يخطف أبصارَهَم ليعودوا
عميانَ إلى صحاراهِمْ
وكلُّ بندقيّةٍ عكَّاز
وستكونُ مائدةٌ
وأنا أعدكِ بهذا
كلَّما طفتِ بينَنا كحياةِ الغرقى
سمّرها الضوءُ الطاغيةُ بحربةٍ فوريّة
في ظهرِ الجوعِ المقوّسِ مِنْ كَثرةِ الانحناء

كنت أصعدُ متعثّراً

كنت أصعدُ متعثّراً
أسهرُ من أجل لا أحدٍ
أُسرعُ إلى غيرِ ما لقاءٍ، في طرُقي الممهورةِ بوداعها
كنت أصعدُ خَشبةَ الصلبِ المحاطةَ بالكلاب، ألفُّ حبالَ البرق
حولَ ذراعيّ كأنهما مرساةٌ
بعدَ أنْ نزلَ الجميعُ وتواروا
وبعدَ أنْ تسلَّقوا الأشجارَ في الطوفانِ
كنتُ أنزلُ إلى الآبارِ بشمعةٍ
وغرفتُ خطايَ
بملعقةِ السيرِ ووحْي أسفاري
وأنتِ تلكَ القيودُ المولودةُ على الأيدي
يُثقلُ سيري وعْدُ تحطيمِها
كنتُ أرى الجيوشَ تسيرُ إلى أسوارك
لتختفي في نيرانك الراقصة
واخترتِ لي أعدائي واحداً واحداً
ليكونوا مراياي المنذورةَ للتحطيمِ، مراثيّ الرديئة في المعارك المقبلة،
بعد أن هُزموا كنت أتقدّمُ
واستيقظتُ بعدَ أن ناموا
استيقظتُ ذات صباحٍ خارجَ أيّامي
بأبوابها التي لبّتْ دعوةَ العواصفِ أثناءَ الليل