وُلِدت بالقرب من بحيرة الحبّانية، وأذكر أنّ أمواجها الخاملة كانت، عند الفجر، وهي تنسحب، تخلّف أسماكاً صغيرة تتراقص على الرمال محاولة اللحاق بالموج. كنت ألتقط بعضها وآخذه إلى أمي لتطبخه. تجوّلت كثيراً وأنا طفل في التلال الصخريّة القريبة، هرباً من البقاء في البيت.


وهذا البيت كان مجرّد كوخ طويل من الطين والصفيح على طريقة المعسكرات، تسكنه أربع عوائل تفصل ما بينها شراشف كبيرة معلّقة على حبال. وقبالته مباشرة، كان قصر زجاجي على البحيرة ألمح فيه الإنكليز، رجالاً ونساءً، يتنزّهون أحياناً على الضفاف أو يركبون طائرة برمائيّة تقلّهم إلى الجانب الآخر، الغامض، من البحيرة. كان أبي، فإلى جانب كونه نجّاراً، وبالإضافة إلى عمله المتواضع في كيِّ الملابس، كان يمارس صناعة العقاقير البدائيّة ويشفي القرويّين الذين كانوا يؤمنون به كطبيب من نوع ما، وكنت أحمل له الفانوس في ليالي الشتاء عندما نقوم بزيارة. لن أنسى مناديله الفائحة برائحة الأعشاب الغريبة الزكيّة، وعدّته البسيطة ومخزونه من مبادئ علم النفس الخشنة التي تعلّمها في الجبال.
ذات يوم هاجمت مقرّات الإنكليز داخل البلدة نفسها جموع كبيرة من البدو، بالهراوات والبنادق القديمة والسكاكين. شهدتُ هذه المعركة وكانت أوّل ثورة رأيتها في حياتي. عندما انتقلنا إلى كركوك كان سحر جديد قد بدأ، وما زال حاضراً في ذاكرتي. كانت هذه المدينة عبارة عن قلعة حجريّة عالية، هي القسم القديم والتاريخي منها، «تطلّ على القسم الحديث والضاج» بحياة لم تكن تختلف كثيراً عمّا كانت عليه في العهد العثماني أو في عهد الإسكندر الذي كان قد مرّ بكركوك في إحدى غزواته. تحت أدراج القلعة مباشرة كان نهر «الخاصّة»، وهو يابس معظم السنة يسير الناس في مجراه المليء بحصى بيضاء أو يسقون بغالهم أو يقامرون في ظلّ جسره القديم. ذات شتاء فاض هذا النهر بشكل مفاجئ وخطر، حاملاً على أمواجه الغاضبة أثاث البيوت، صناديق عرائس مزركشة بالأخضر والبرتقالي، ومهداً صغيراً مزيّناً بالطواطم والأوشام الخضراء فيه طفل حيّ يبكي بصوت عال. كانت الضفاف زاخرة بالبشر المتصايحين، من أكراد وتركمان وعرب وآشوريّين، والرجال يحملون الحبال محاولين إنقاذ الطفل، بعضهم في قوارب صغيرة يجذّفون بلا هوادة. في كركوك كان الزمن يمرّ ببطء لأنّ الحياة كانت بطيئة، والمجتمع مغلقاً على نفسه. ولكن تحت قشرة المظهر كانت هذه المدينة أخصب ينبوع للأسرار يمكن أن يستقي منه الإنسان: الجنس كان مفقوداً ظاهريّاً ولكنّه يجري خفية على السطوح، في حرارة الشمس القائظة، أو بين البساتين المهجورة في الليل.
بدأت الكتابة في كركوك. كان أخي يملك بعض الكتب، صدف أن طالعت أحدها وكان لسومرست موم، عن عبوديّة الإنسان كما أذكر. نشرت أوّل مقال لي في جريدة «البلاد» وكان عن عمر فاخوري. ثمّ اكتشفت كتاباً بالإنكليزيّة عن ماياكوفسكي ونشرت عنه مقالاً في جريدة «النصر» اليساريّة بعنوان: «ماياكوفسكي، الشاعر الصقر». جلب هذا إليّ، في اليوم التالي، منظّماً لخليّة شيوعيّة على دراجة أخذ يفسّر لي أفكار لينين بطريقة ساحرة. كنّا نذهب على دراجاتنا بعيداً عن المدينة، مصاقبين لخطّ السكّة الحديديّة التي تمضي إلى أربيل، لنجتمع بين تلّتين متجاورتين. أحياناً كنّا ننسى الحزبيّات ونذهب لصيد السمك، أو نتكلّم عن النساء حتى نتعب. بدأت أقرأ كلّ ما تقع عليه يدي في المكتبات الصغيرة، أو حيثما وجدت بائعاً يفرش بضعة كتب على رصيف ليحصّل رزقه. من «أرسين لوبين» إلى كتاب «واينزبرغ، أوهايو» لشروود أندرسون، الذي قرأته طيلة سنين بحبّ لأنّه كان يحكي عن شخصيّات غريبة في بلدة واينزبرغ الموحشة، الشبيهة بكركوك. (زرت كليفلاند في أوهايو فيما بعد، ولكن ليس واينزبرغ).
ذات يوم، في طريقي إلى المدرسة، وفي وسط ساحة شارع العلمين توقّفت مصعوقاً على دراجتي. كان عدد من المشنوقين يتدلّون من الحبال ويتأرجحون في الريح كأنّهم فزاعات فارغة. كانوا حفاة لا يرتدون إلّا البيجامات. كان أبي قد أخذني مرّة إلى بغداد ووصلنا وقت الفجر. سحرتني أزقّتها، وبعد سنين هربت إليها. هناك بدأت فورة حقيقيّة من النشاط تأخذني في تيّارها، وانجرفت معها بلذّة حالمة. كنت أنشر القصص بكثرة من مجلات وصحف عراقيّة وبيروتيّة. وهناك حصلت، ولأوّل مرّة في حياتي، على بضعة دنانير كمكافأة على بعض القصص. عمّقت قراءاتي وكانت الكتب متوفّرة بكثرة، تستنزف مصروف الجيب الضئيل بأكمله، ولكنّها أيضاً، مثل معجزة، تربطني بالعالم الفنّي، الواسع، البعيد الذي كنت أتخيّله دائماً. لم يكن بدّ من الهروب إلى بيروت، إذ كان من الواضح أنّها مركز التحدّي، وأيضاً، بؤرة النشاط الأدبي والنشر. وكذلك، مرفأ مطلٌّ على البحار. هنا تجذّرت علاقتي الحقيقيّة مع الأدب، وأخذت أراجع مفاهيمي، والمجتمع الذي أعيش فيه، وخصوصاً، ضيق حياتي نفسها، أفكاري، وطموحاتي. أردت أن أطلق العنان لكل هذا. أردت أن أعرف بحقّ من أنا وماذا أريد، أن أناقش كل شيء، أن أبتعد وأكتشف وأعود بجواب. هكذا وجدت نفسي في أميركا. وتلك قصّة أخرى.

* نُشرت هذه السيرة في «أعلام الأدب العربي المعاصر، سير وسير ذاتية»، بيروت 1996 ـ كما وتصدر ضمن كتاب «عن الشعر والحياة» (شذرات غير منشورة ــ منشورات الجمل)