في توقيتٍ «قاسٍ»، عشيّة ذكرى اغتيال قائد ميليشيا نمور الأحرار داني شمعون وزوجته وطفليه، التي أدين رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بارتكابها، قرّرت زوجة الأخير، النائبة ستريدا طوق، «التنكيت» عبر استغلال واحدة من أبشع المجازر في الحرب الأهلية: مجزرة إهدن. أعادت طوق غرز خنجرها في جُرحٍ لم يندمل أصلاً، فكشفت عن لاوعيها الذي يفتخر بماضٍ أسود لزوجها، لا تتوانى القوات اللبنانية عن مُحاولة إلغاء صفحاته.


وفي مجزرة إهدن تحديداً، تُحاول «القوات» دائماً إلقاء اللوم على المُخطّط الرئيسي للجريمة، بشير الجميّل، مُحاولة تسويق خبرية أنّ جعجع أُصيب قبل وصوله إلى قصر آل فرنجية. قد لا يكون جعجع من أطبق بيديه على روح جيهان فرنجية، الطفلة ذات العينين الواسعتين، وليس هو من أطلق النار مُردياً طوني وفيرا فرنجية وعشرات الرجال الزغرتاويين (حتى كلب الحراسة لم ينجُ من المجزرة)، ولكنه لم يتراجع لانتفاء النية الجُرمية لديه، بل عاد أدراجه مصاباً بجروح نتيجة دفاع المُعتدى عليهم عن أنفسهم. إلا أنّ طوق لم ترد أمس سوى أن تُقرن عار الجريمة برئيس حزبها، فلم تجد أفضل من ارتكابه مجزرة لتُخبر المغتربين عن «مزاياه» التي أعجبت والدها. واللافت أنّ جعجع لم تضع الحدث الأليم في إطار الدفاع عن «القضية»، أو إعطائها أبعاداً وطنية مثلاً، بل في سياق «دعوسة» ابن بشرّي لابن زغرتا، في استحضار خطير للخلافات التاريخية بين المنطقتين، والذي سبق تاريخ 13 حزيران بسنوات طويلة. يُفهم، في مكانٍ ما، «افتخار» آل جعجع بمجزرة إهدن، ورغبتهم في المجاهرة بأنّ «القائد» هو من ارتكبها. السبب أنّها كانت بوابته لتكريس زعامة تنطلق من الشمال لتصل إلى جبل لبنان، ومن دون تبنّيها، لَمَا كان «البطل»، وربما كان «مجده» ليتأخر سنوات عديدة قبل أن يبين.


لم تجد طوق أفضل من ارتكاب جعجع لمجزرة إهدن لتُخبر المغتربين عن «مزاياه»



حين أخبرت طوق، أمام عددٍ من المغتربين اللبنانيين في أستراليا، كيف وافق والدها على علاقتها بجعجع، قائلاً لها: «يا بنتي هالرجّال ما في منّو لأنو بشراني أصيل، ونزل دعوَسلي هالزغرتاوية تحت»، أكملت طالبةً أن لا «يُفهم كلامي خطأً». ولكن، لا يُستشفّ من كلام نائبة بشرّي سوى كلّ ما هو سيّئ. المُضحك في الموضوع أنّه عوض أن يكون تيار المردة هو المُبادر إلى التذكير عند كلّ مناسبة بمجزرة إهدن وبمسؤولية القوات اللبنانية عنها، تسحب معراب المُبادرة منه، وتُجاهر بها. أكثر من ذلك، فإن تيار المردة قَبِل بناء علاقة جديدة مع «القوات»، وأوفد أحد أبرز معاوني النائب سليمان فرنجية، الوزير السابق يوسف سعادة، إلى معراب. وفرنجية مدّ يده لمُصافحة جعجع في بكركي، طاوياً صفحة الحرب الأهلية، من دون أن ينسى. ولكن القصّة لا تتعلّق هنا بتيار المردة وحده، بل بقضاء زغرتا بأكمله، وبعائلات مسّت طوق كراماتها، فانبرى مختلف فعالياتها لاستنكار كلام النائبة. ميشال معوض رأى أنّه «أياً يكن إطار الكلام، إلا أنه غير مقبول بكل المعايير، ويستوجب توضيحاً واعتذاراً من كل أهل زغرتا الزاوية»، قبل أن يُحيّي «شجاعة الاعتذار» لدى طوق. موقف معوض الأخير تبنّاه أيضاً النائب السابق جواد بولس (14 آذار)، الذي كتب أنّ «زغرتا ليست مكسر عصا ولن تكون». وكان حديث طوق قد أثار سخط عددٍ كبير من الزغرتاويين، الموالين والمعارضين للقوات، الذين عبّروا عن رأيهم على وسائل التواصل الاجتماعي بما اعتبروه كلاماً «استفزازياً وغير مسؤول ويدلّ على خفّة لا مثيل لها». ولكن في الوقت نفسه، دعوا إلى التفرقة بين ستريدا «وأهلنا في بشرّي».
وكانت مصادر «المردة» قد علّقت بأنّ هذه «المزحة غير مقبولة. ونحن نُطالب باعتذار». خلال ساعات النهار، صدر عن مكتب طوق بيان يوضح أنّ «كلام جعجع جاء مجتزأً ولم يكن المقصود منه التعرُّض بأي شكل من الأشكال لأبناء زغرتا. بناءً على ذلك، ولأن الاعتذار شجاعة وثقافة مطلوبة، تتقدم النائب جعجع بالاعتذار من أبناء زغرتا الأعزاء فرداً فرداً... وتُجدّد حرصها على العلاقات الطيبة التي يتم بناؤها بين المردة والقوات اللبنانية، والتي تكلّلت بالنجاح حتى الآن، وإلى مزيد من التقدم إن شاء الله». ترد مصادر «المردة» بأنّ «الاعتذار مقبول»، مع عدم نكرانها لأنّ جعجع أعادت فتح جُرح تاريخي.

بيان «القوات» غير دقيق!

من جهة أخرى، ردّت الدائرة الإعلامية في القوات اللبنانية، أمس، على الخبر المنشور في «الأخبار» بعنوان «إلغاء محاضرة لجعجع في أستراليا: «مُجرم حرب مُدان»»، نافيةً الخبر وواضعة إياه في إطار «التشويش المفتعل من أتباع النظام السوري المتدحرج نحو السقوط». وقد رأى البيان أنّه «نظراً لضيق الوقت والبرنامج الحافل، قرر الدكتور جعجع إلغاء محاضرته في الجامعة والاستعاضة عنها بكلمة خلال العشاء التكريمي الذي أقيم في نفس الجامعة، خاصة وأنّ الحضور هو نفسه». ولكن لم يتّسم بيان «القوات» بالدقة؛ فأوّلاً، لم يُستعض بالمحاضرة المفتوحة أمام الجمهور بالعشاء «الخاص»، لأنه كان مُقرراً مُسبقاً، بحسب ما نُشر على الموقع الرسمي لجامعة سيدني، صفحة الجمعية اللبنانية ــ الاسترالية. وثانياً، ليس جعجع من طلب إلغاء المحاضرة. فبحسب نسخة عن رسالة إلكترونية حصلت عليها «الأخبار»، مُرسلة من بريد أحد الأساتذة، يرد ما يأتي: «بخيبة أمل عظيمة، أُبلغنا قبل قليل أنّه طُلب من الدكتور سمير جعجع إلغاء المحاضرة العامة التي كان سيُلقيها يوم الجمعة في ٢٠ تشرين الأول، السادسة والنصف مساءً، في جامعة سيدني. الرجاء قبول اعتذارنا، فالأمر خارج عن سيطرتنا».