عشر سنوات مرّت على رحيل سركون بولص. أتذّكر العام الأخير من حياة سركون. كنّا معا مدعوّين إلى مهرجان الشعر المتوسطي في لوديف جنوبي فرنسا. لا أعرف لماذا اختاروا لسركون المريض مبيتاً في فندق بعيد عن المدينة. كان على سركون أن يعود باكراً في باص مخصّص لهذه الغاية وإلّا استحال عليه أن يجد مرقداً له. لم يكن سركون من الذين ينضبطون بتعليمات كهذه، فكان يتّأخر عن الباص فيتدبّر لمبيته مكاناً في أحد البيوت التي كنّا ننزل فيها ضيوفاً على لوديف.


وحين عزّ عليه في إحدى الليالي أن يجد مرقداً، بات ليلته في العراء على مقعد حجريّ. كان سركون دارياً بقرب نهايته. قالها لي في نهاية سهرة. علمت بعد أشهر من زاهر الغافري بأن سركون يحتضر في ألمانيا. كتبت في «السفير»، التي لم تمرّ بعد الذكرى الأولى لغيابها، مقالة بعنوان «سركون بولص مريض». قرأ سركون بولص المقالة التي استعجلت كتابتها ليتسنّى له أن يقرأها وطلب من خالد المعالي صاحب دار «الجمل» أن ينشر فقرة اختارها منها على الغلاف الأخير للكتاب الذي صدر بعد وفاته «عظمة أخرى لكلب القبيلة». كانت هذه هديّة سركون لي، هديّة ما بعد الوفاة. ماذا عن سركون بولص الشاعر والمثقّف؟ حين قرأت «الوصول إلى مدينة أين» أوّل دواوين سركون إذا جاز لنا أن نسمّي مجموعاته الشعريّة دواوين «لا أعرف رأيه في ذلك»، حين قرأت أولى مجموعات سركون الذي انتظر طويلاً حتّى نشر، وبالتالي كان وجد قصيدته وبدأ ما صار فيما بعد عالمه وعمارته الشعريّة، بهرني ما قرأت. كان شعراء الحداثة الشعريّة العرب يعانون في بحثهم عن قصيدة حديثة ليس لها بالنسبة لهم مثال عينيّ سوى ما وقعوا عليه في الشعر الغربي. هذا المثال لم تكن إعادة إنتاجه في القصيدة العربيّة سهلة ولا ممكنة فليس لها سابقة، ولا بد لذلك من تجريب محفوف بالعثرات، ومن رهانات لم تكن دائماً ولا غالباً ناجحة. كان فقدان النموذج يقتضي بناءه، الأمر الذي انتهى غالباً إلى نماذج تجريبيّة تعاني في معظم الحالات من قصور واضح وإلى عوز لمفهوم القصيدة وبنيانها ومن تخبّط في مسألة اللغة ومن حاجة إلى أمثلة. في هذا المجال وقعنا على نماذج، قلّ من بينها ما يستحق البناء عليه أو الانطلاق منه. نماذج في الأغلب مدّعيّة وطنّانة ومنتفخة بنفسها وبنرجسيتها الظاهرة أو الخفيّة، وبما أن الفترة كانت فترة الحلم القومي، نشأ فكر أدنى إلى الخطابة، وإن تحكّمت به لفظية انبعاثيّة إحيائيّة ومستقبليّة. والأرجح أنّ الشعر، بما فيه من استعداد لهذه الخطابة السيّالة والادعّاء اللفظي، قد كان الأقرب إلى حمل هذا الفكر بحيث يصبح في أغلب الأحيان رسولاً لهذه الإيديولوجيا الشاغرة ومحلاً لخطابة من نوع آخر، فيه من الخطابة روحها وتعاليها ودوغماتيتها وشعاراتيتها. كان من الممكن في هكذا وضع أن ننتج شعراً ليس فيه شعر وليس فيه فكر سوى الدعوة، أيّاً كان مرماها وغرضها. ولعل المثل الأقرب لذلك هو لغات هذه القصائد ويمكننا أن نتحدّث، بالدرجة نفسها، عن دعوات لغويّة كانت في الغالب موازية لهذا الشعر، لدرجة أنّ كثيرين حسبوها على الشعر واعتبروها معناه أو افترضوا أنّه يحملها، أو أنّها تقاس عليه ويقاس عليها. هذه اللغات التي كانت في أحيان ليّاً للغة ونوعاً من الطمس لها، كما كانت في أحيان لغة في اللغة ليس فيها سوى نرجسيّة اللغة الّتي تظهر أكثر، كلما كانت اللغة صوتاً فحسب وإنشاء فقط.
نعم بهرني «الوصول إلى مدينة أين» كما سيبهرني بعد وقت «إذا كنت نائماً في مركب نوح»، ففيهما وجدت القصيدة الحديثة. وجدت النموذج الذي ينبني من نفسه ومادّته لا من دعواه ولا من رنينه. وجدت الشعر الذي لا يحتاج لكي يظهر، إلى أن يقوم بقدر من التشويهات أو بقدر من السحر اللفظي.
* شاعر وكاتب لبناني