مع سركون بولص ليس أعذب الشعر أكذبه كما كانت تقول العرب، بل أعذب الشعر وأجمله أصدقه دون شك، هذا الشاعر الذي ولد لأب آشوري كان يصلي ويكلّم الرب بلغة أجداده وأم موصلية تتحدث العربية بعذوبة ظل صداها في أذن الشاعر سنوات طويلة، بالإضافة إلى أنها تتكلم آشورية الكلدان. فكتب هو بلغة عربية نقية من كل الشوائب خالية من الأيديولوجيا والسياسة والكذب ومن الزخارف البلاغية المزيفة، لرجل كان يعتبر موقف الشاعر من اللغة موقفاً سياسياً، وترجم من وإلى الإنكليزاية مئات القصائد.


سركون بولص الذي ولد قرب بحيرة الحبانية وعاش طفولته في كركوك وهاجر إلى سان فرانسيسكو وتنقل بين عدة مدن أوروبية إلى أن فارق الحياة في برلين 2007، ظل يحمل طعام طفولته على كاهله وهو يتنقل بين هذه المدن، يقتات منه أينما ذهب ليظل مسرح الطفولة حاضراً في وجدانه يرفع الستار كل يوم عن مشاهد يعيش معها الشاعر، في مسرح لا يطفئ أنواره حتى في ساعات النوم، فما يؤرقه في ستة دواوين من أين جاء ولماذا وكيف؟ ولا تخلو عناوين مجموعاته الشعرية الست من دلالة حول المكان المفقود حيث تبدأ بـ «الوصول إلى مدينة أين»، ثم «الحياة قرب الأكربول»، «الأول والتالي»، «حامل الفانوس في ليل الذئاب»، «إذا كنت نائماً في مركب نوح»، وأخيراً «عظمة أخرى لكلب القبيلة». كأنه يبحث عن حياة ضائعة فقدها وظل طيلة حياته يبحث عنها. فقدها على الأرجح في طفولته «ووجدت نفسي/ وسط مدينة لا يعرفني فيها أحد/ أروي للغرباء في مفترقات الطرق/ قصة لا يصدقون منها حرفاً واحداً». وظني أنه عاش في كل المدن يروي قصصاً للغرباء عن رجل آشوري يبحث عن حياته، ولم يكن غاضباً أو حزيناً، كان هائماً مثل طفل.
عزيزي سركون بولص لأنك لست مشهوراً مثل شعراء القضايا الكبرى والنظريات الحديثة، تعرفت إليك متأخراً، وحاولت أن ألتقي بك ذات مساء في برلين عام 2006 بعدما عرفت أنك هناك وكنت سعيداً مثل طفل، ذهبت وصديقتي إلى من سيدلنا عليك وأخبرنا أنك غادرت أمس، حزنت وضحكت، حزنت لأنني كنت أتمنى هذا اللقاء، وضحكت لأنني إن وجدتك والتقينا، لن تكون أنت فلا بد أن تسافر بعيداً طيلة الوقت، وفي الطريق إليك تخيلتك رجلاً صامتاً لا تتكلم، فقط تهيم على وجهك في المدن وتكتب الشعر «كل رحلة مؤلفة من خطي مسروقة». تمنيت لو تحدثت معك عن هذا الشعر الخالص الذي قرأته فحملني إلى مدينة بنيتها أنت من الكلمات برجالها ونسائها وأطفالها وشوارعها مدينة من الشعر الخالص، كأنك ذهبت بعيداً حتى تقترب من هؤلاء! وفيما بعد حين قرأت أعمالك الأخرى. وعلى الرغم من أننا لم نلتق، كنت أراك الفلاح الآشوري الذي غادر كركوك إلى بيروت ثم إلى سان فرانسيسكو وظلّ كما هو، تنقل بين المدارس الشعرية والنظريات الحديثة، من مجلة «شعر» في بيروت إلى الحداثة الأميركية وشعراء جيل الغضب، ولكنه لم يبرح مسقط رأسه «ما زال كرسي جدي يهتز على أسوار أوراك/ تحته يعبر النهر/ يتقلب فيه الأحياء والموتى». يسهر سركون بولص ويصلي من أجل الشعر كراهب يستعد للقاء الرب في كل حين، يسهر مع أبطال مسرحيته التي امتدت سنوات طويلة في فصول متتالية لا تنتهي تلعب فيها الأشياء مع الكائنات الحية دور البطولة، ويتحاور اللصوص مع القديسين، تلتقي فيها سيدوري صاحبة الحانة في ملحمة جلجامش أم محمد «قارئة الفنجان المرأة التي يتدلى من رقبتها النحيلة ما يبدو للوهلة الأولى أنه قلادة» مع أم يوسف القابلة والنجار والحداد، الموتى مع الأحياء. لقد بعثت قوة الشعر هذه الكائنات من الماضي البعيد والقريب وقدمتها للجمهور على مسرح الحياة، بل وبعثت الروح في الأشياء والبيوت والشوارع بعدما اقتنصتها لحظة شعرية، وهذا ما كان يفعله سركون يسهر ويصلي في انتظار هذه اللحظة التي جعلت من الماضي حاضراً وبقوة «معنى أن تغادر..... موضوع قد يستغرق الأبد». وهو لم يغادر كما فعلت الغالبية العظمى من شعراء المنافي الذين تركوا الشعر في مسقط رأسهم وغادروا مع حقائب الملابس، سركون ترك كل شيء وحمل معه لحظات إنسانية وشخصيات نادرة ولم ينس البيوت والشوارع والشجر ومائدة الطعام حتى الهواء الذي كان يتنفسه في هذه القصائد من هناك، فجاء شعره طبيعياً، شعراً خالصاً لا يشبه أحداً سوى سركون بولص وعالمه الذي لم يفارقه لحظة واحدة أو حتى طرفة عين «من لا نسمع عنهم خبراً/ من لا يذكرهم أحد: أيةُ ريح ذهبت بآثارهم كأنها لم تكن/ أبي، والآخرون - أين هم، أين...» وكان يسهر ليله ونهاره ويصلي هو والشعر من أجل هؤلاء.
*شاعر مصري