«هو الذي بدأ بالتيه في العشرين/ لم يجد مكاناً يستقر فيه حتى النهاية»

«بولص، توفو في المنفى»
أين سركون بولص؟
ليس الجواب بسيطاً البتّة.
جسده مسجّى منذ عقد أو أقل بقليل في مقبرة تورلوك في ولاية كاليفورنيا. ويقال إنه كان يرغب بأن يدفن في برلين، التي أحبّها وعاش فيها وكان يهرب إليها، لكن رغبته لم تتحقق. ولعلها مفارقة شعرية: أن يهاجر جسد الشاعر (أو يهجّر) هجرة أخيرة، بعد موته، إلى اللامستقرّ. إلى أبعد الـهناكات.

«جئت إليك من هناك!»
سيقول قائل إنّه عاش في الولايات المتحدة أربعة عقود. نعم، ولكنها لم تصبح وطناً. وقد قال سركون في حوار نشر في مجلة «پارناسوس»: «لم أتوقف لحظة عن التفكير بوطني أو التشوق لرؤيته. أميركا بالنسبة لي هي مكان عيش، إقامة، وليست وطناً، لكنك لا تستطيع أن تملك وطناً مرتين. وفي نفس الوقت، ليس بمستطاعك أن تعود الى وطنك ثانية. اللغة العربية، وهي الحبل السري الذي يربطني بشعبي وبتاريخي، هي الوطن الحقيقي الوحيد الذي أملك».
قرر الذين أشرفوا على هجرة جسد سركون الأخيرة ألّا يكون لوطنه الحقيقي، اللغة العربية، مكان على شاهد القبر. كل ما نشاهده في الصورة هو نص حفّر باللغة الإنكليزية وآخر بالآشورية. هل هي محاولة، فاشلة بالطبع، لقطع الحبل السرّي؟ أو لاختزال حياة الشاعر وهويته المعقّدة والغنية واحتكاره واحتكارها من قبل الجماعة؟ نفيٌ آخر وأخير لسيّد المنفى.
لن أزور قبر سركون بولص. لأنه ليس هناك.
إذاً أين سركون بولص؟
يموت الشاعر في مكان واحد، مرة واحدة فقط. لكنه يسكن في اللغة، البيت... الأكبر. الوطن الحقيقي. الرحم. فاللغة تلد الشاعر من جديد كلّما قرأناه.
سأزور سركون... في دواوينه وستقبّل روحي كلماته. وسيأخذني، ككل مرّة، إلى كل تلك الأمكنة التي شيدها في اللغة. فالقصيدة مكان (ولـ «الديوان» دلالة أخرى في هذا السياق). مكان نطلّ منه على ذواتنا، وعلى الكون، وعلى ما اندثر من أمكنة، وأزمنة. ونطل، مع سركون، على العراق، طبعاً، وطن الشاعر. ووطن الشعر الأوّل.
سأزور سركون وسوف «أراه هنا أو هناك»، حيّاً، فوق أسوار أوروك، بجانب كرسي جده «تحته يعبر النهر، يتقلّب فيه/الأحياء والموتى». سأراقبه وهو يقلّب دفتره الذي يصيد فيه أرواح الموتى إذ «يمرّون على صفحاته في شبه رفيف». وسأرى ذلك الرجل، يسقط، فجأة، كما يفعل في كل قراءة، في وسط الساحة «مثل حصان حصدوا ركبتيه بمنجل.» وسأرى، وأصدّق ما أرى: أمواج دجلة مقيدة بالسلاسل. وسأحفر، أنا أيضاً، مع سركون، قبراً للمستقبل. وأتفرّس في «قامات لصوص نهبوا التاريخ/ وكأنه بنك...»
سأزور سركون وأرى أطياف الأطفال المسحورين في بقايا مدينتي، ومدينته، في حلمه، «كالطيور في الصحراء، يغنون من أجل لا أحد». سأشم رائحة الرغيف البغدادي وأكاد ألمسه. سأسمع صوته على «الساوندكلاود» وهو يقرأ قصائده برهبة وكأنّه يصلّي لآلهة الشعر. صوت قادم من «ما وراء الحزن» في «نهاية العام/عام النهايات». وشبح يوسف الحيدري يتمثّل بشراً ويقول لسركون، ولنا: «اللاجئون على الطرقات/ الأطفال في التوابيت/ النساء يندبن في الساحات/ أهلك بخير/ يسلّمون عليك من المقابر/ بغداد سنبلة تشبّث بها الجراد/ جئت إليك من هناك/ إنّه الدمار». ثم يبتعد ويختفي.
أين سركون بولص؟
أسأل الأرملة التي تجلس مع طفلتها «على مصطبة الخشب/ بانتظار آخر قطار ذاهب إلى الحجيم، في المطر» عن مكانه وعن وجهتها. تظل صامتة. أسمع «دردمة خافتة». تمشي عيناي إلى مكان/ نص آخر فأرى «مليون لاجئ يتلبّد في خطاه» وسركون يصغي إلى كل لاجئ وهو «يحكي ويحكي ويحكي/ لأنه وصل دون أن يذوق طعم الوصول.»
أزور سركون بولص وأرى آلاف الفراشات تطير من وإلى قصائده «كأنها مقيدة بخيط خفي إلى الجنّة». ثم أراه مع الآباچي «يجول بين الخرائب/ ويرثي أبناء مدينته، يحلم أحياناً/ أن يحلّق كأي نسر، فوق رؤوس القتلى والقتلة.» أقول له: نعم، إنك تحلّق يا سركون، فوق أسوار أوروك وفوق الخرائب القديمة والجديدة.
أحبّك، وألعنك أيضاً لأنك قلت كل شيء. وأشكرك، أيضاً، لأنك قلت كل شيء.
وأزورك دائماً.
سركون، أيها السيّد، يا سيّد المنفى.
* شاعر وروائي عراقي