ترجمة وإعداد: محمد ناصر الدين

خمسون رسالة رفض متخيلة للكتّاب الأكثر شهرة في تاريخ الإنسانية من هوميروس الى صموئيل بيكيت، مروراً بوليم شكسبير، وجورج سيمنون، فرجينيا وولف، ومرسيل بروست وشارل شولتز أو أيضاً سيغموند فرويد! بكثير من الذكاء، ورشة من توابل الظرف الإيطالي تنتظرنا في هذا الملف. إذ يمتعنا الصحافي الإيطالي المشاكس ريكاردو بوزي باختراعه رسائل ممتلئة بالكليشيهات الجاهزة ووصفات التسويق، وردات الفعل المتوقعة في وجه الكتب الأكثر أصالة في تاريخ الأدب والفكر.

كتاب بوزي «عزيزي الكاتب» الصادر عن «هيليوم آكت سود» (١١٠ صفحات من القطع المتوسط ــ 2016) هو أكثر من رسائل تبعث على الابتسام. إنّه نقد مبطن لمنطق العولمة الذي يحكم كل مفاصل حياتنا اليوم. ماذا لو كان هوميروس بيننا وأرسل «الإلياذة» أو «الأوديسة» الى Simon&Schuster، المؤسسة التي تتعهد بطباعة وتسويق أعمال دان براون من «شيفرة دافنشي» و«انفرنو» وغيرها من الـBest_sellers؟ هل كان مؤلَفا هوميروس سيوضعان على واجهة المتاجر في مدن الامبراطورية التي فاقت في جبروتها اثينا وروما والعالم القديم بأسره، اضافة الى واجهات مكتبات باريس واسطنبول وبيروت وبكين؟ هل كان قسم التسويق في متجر «أمازون» ـ كما سيشير بوزي ـ ليطلب من فرانز كافكا تغيير عنوان روايته «التحول» ليظهر ضمن الكتّاب الأكثر مبيعاً على الموقع الأشبه بغيلان الحكايات في «الف ليلة وليلة»، والذي سيلتهم متعتنا الصغيرة في تصفح رواية في متجر باريسي والتحدث لدقائق قليلة مع البائعة اللطيفة حول رأيها في هذه الرواية أو تلك؟ ماذا لو اقترح الناشر على صموئيل بيكيت نهاية شبيهة بما يباع في اكشاك الصحف في المطارات، من أدب لا يستفز ذكاء القارئ عموماً أو خياله، بل يحكمه بسيناريو يمكن التنبؤ مسبقاً بنهايته منذ أول كلمة من الفصل الأول؟ هل كان غوستاف فلوبير ليقحم مشاهد ايروتيكية في «مدام بوفاري» لتوضع روايته في قسم البالغين في متجر Fnac؟ أو كان شارل بوكوفسكي بالنقيض تماماً، ليخفف من ضراوة الاستخدام المفرط للكحول والجنس وسط مجتمع يذهب الى حروبه بطهرانية الخير مقابل الشر، وعولمة تصل صواريخها الى بيوتنا في العراق واليمن وافغانستان قبل أن تصلنا كتبها عبر «أمازون»؟ تنشر «كلمات» هنا مجموعة من رسائل كتاب ريكاردو بوزي، مزينة برسوم بديعة من الفنانين جيانكارلو اسكاري وبيا فالنتينيس.


دون كيشوت
العزيز ميغيل


عمل طويل جداً، لا ينتهي. وتحددون مجرياته أيضاً في إسبانيا؟ فليكن في الغرب الأميركي، مثلاً، حيث المغامرات، أو على الحدود، أنّى شئتم، ولكن ليس إسبانيا. ليس فقط لأن الأمور ستكون مشوقة أكثر في الغرب، ولكن بصراحة، طواحين هواء في إسبانيا؟ الطواحين، إذن هولندا. هولندا هي الطواحين. لو تعلق الأمر بي شخصياً، فإنني لن أحدد بالمطلق أحداث نص في هولندا. بلد بمنتهى الضآلة لتسويق الكتاب.


أوديب ملكا
العزيز سوفوكليس


اللعنة، لا أعثر على اسم مصغر لمناداتكم. «صوفي» مثلاً، قد يكون مسبباً للإحراج قليلاً (ولكن، بالمناسبة بلغني أنه يعني «الحكمة» في لغتكم، إذن كامل الاحترام). حسناً، لنعد الى البيزنس قليلاً. إن التراجيديا خاصتكم مذهلة، مثيرة للعواطف ومكثفة بشكل مؤكد. حبكة مسرحية تسحر الألباب. لنسمي الأشياء بأسمائها، عبقرية خالصة. لكن هناك مسألة صغيرة. مسألة صغيرة لكن حقاً، حقاً بمنتهى الأهمية. إمحضوني كامل ثقتكم ـ خاصة اذا كنتم تريدون حصد الـ Best Seller وليس فقط بعض التقدير الأدبي. ليس هناك من داع للحسرة، أقدّر تماماً جهودكم من ناحية الدراماتورجيا، والمشاعر المتناقضة، والتأثير بالمشاهد، كل هذا. لكن هل كان من الضروري أن تكون أمه؟ ألا يمكنك استبدالها بالحَماة؟


العجوز والبحر
السيد همنغواي


قد يكون لأني ولدت في مدينة وعشت فيها دوماً، لكني قلما عانيت في انهاء كتاب من مائة صفحة كما كان الحال مع كتابكم. لا أعرف. أعرف تماماً أنكم بمنتهى الشهرة وأنكم في موضع التقدير، وفي ذروة العطاء، لكن قصة مثل هذه، قد يكون مكانها الأمثل في نشرة علمية مرموقة، Nature مثلاً، أو مجلة «القنص والصيد»، أو موقع الكتروني مثل cannes&gaules.com، وليس في دار النشر خاصتنا. استمروا بالمحاولة.

التحول (فرانز كافكا)
عزيزي السيد ك.



بعد قراءة روايتكم «التحول»، تملكتنا الدهشة في ملاحظة القدر العالي من الألمعية الذي يتميز به العمل، المضحك والمبكي، المسلّي والعميق في آن. تتمتعون بموهبة عظيمة وأظن أنكم تعرفون هذه المسألة تمام المعرفة. ليس لدينا شيء لنضيفه هنا، يوماً ما، ستصير، سيد ك. كاتباً شهيراً. لكن للأسف، فإن عالم الكتب ليس مكوناً حصراً من الكتب! هناك عوامل أخرى لا بد من رصدها وسط هذا العالم المعاصر، الذي يتسم بانعدام الصبر والسطحية. لنبدأ من العنوان. يمكننا القول ببساطة، إنه من ناحية البحث عن المصطلحات عبر غوغل، لا يبدو أن العنوان يفي بالغرض. نتائج البحث الأساسية ستفضي الى هذا الأوفيد، اللاتيني صاحب كتاب يحمل تقريباً العنوان ذاته («التحولات»، إن توخيتم مزيداً من الدقة). كذلك توجد الكثير من المقالات العلمية تحت مصطلح «تحول» ككلمة مفتاحية. حسنا، أعرف تماماً أن الرفاق في موقع «أمازون» هم أفضل من يتعامل مع هذا الأمر، لكنهم لن يفلحوا حتماً في وضع كتاب بعنوان كهذا على رأس قائمة المبيعات. هل يمكنكم القبول بعنوان آخر، يكون أكثر تفصيلاً؟ لقد قمنا بالقليل من العصف الذهني حول المسألة، وثمة ناشر أعطى اقتراحاً ممتازاً: «كيف تحولت الدابة الفظيعة غريغور سامسا الى فراشة جميلة؟». يمكننا مناقشة الموضوع بالتفصيل، إن شئتم، ولكن لو فكرتم جيداً: «سامسا»، ستظهرون على رأس القائمة! هذا سيقودنا الى النقطة المهمة الثانية التي أثارت حيرتنا قليلاً، أقصد الفراشة. نقدر كثيراً أنكم لم تحددوا أيّ نوع من الحشرات انتهى اليه غريغور بعد التحول، لكن من الواضح انه نوع مقزز، وهنا يكمن الاقتراح العظيم الذي نحن بصدد تقديمه اليكم. لِمَ لا تجعلون منه شرنقة؟ هكذا، البطل الذي يظل مرعوباً على طول النص، بحسب نواياكم التي لا يمكننا ان نشكك بها البتة، سيتحول الى كائن طائر رائع (كما يقترحه العنوان الجديد) وبذلك ستكون خاتمة الرواية سعيدة، ملونة، هوائية، وقد ينتهي الأمر بأن تصير الرواية مثار اهتمام شركة «ديزني». (فكروا بقصة «الجميلة والوحش»).


الفرسان الثلاثة
السيد دوما


العنوان واضح: «الفرسان الثلاثة»، لكن بعد قراءة كتابكم السميك قراءة متعمقة، وجدنا فيه أربعة من الفرسان. هل يمكنكم توضيح هذه النقطة تحديداً؟ إنه لمن المعيب تضليل القرّاء بهذه الطريقة.





الالياذة
عزيزي هوميروس


ليتك تسدي لي خدمة. ادخل الى أي متجر لبيع الكتب، واقعياً كان أو افتراضياً، وتوجه الى جناح السياسة. ستجد كمّاً هائلاً من الكتب تتناول الحروب التي تمزق الشرق الأوسط. لن تعوزك الفطنة لتلتفت إلى أن هذه الكتب توثق بأفضل المستندات وبدقة عظيمة لهذه النزاعات الصعبة، لكن ليس بواسطة قصيدة ملحمية. لا بد من وجود سبب لهذا الأمر. وبينما أنت في المكتبة، يمكنك أيضاً زيارة جناح الكتب العملية والبحث عن كتاب لكبح الغضب. سيكون بالتأكيد مفيداً لبطلك أخيل (أظن أن عليه أيضاً خفض جرعات المخدر، نظراً للطريقة المشينة التي يعامل بها هكتور، والحنان المفرط الذي يقابل به بريام، وهو والد هكتور ذاته. كل هذا بتأثير الكوكايين). ملاحظة: إن اسمكم ظريف، ومعروف جداً في الـ simpson، من انت بالحقيقة؟



أورلاندو (فرجينيا وولف)
ذكر؟ أنثى؟


الحقبة الملكية لاليزابيت الأولى؟ الحقبة المعاصرة؟
عاودي الاتصال بنا من فضلك حين تجدين حبكة على قدر أكبر من التماسك.
كل الشكر والتقدير





في انتظار غودو (صموئيل بيكيت)
سام


نصك مذهل. لقد تناولتَ أخطر المسائل التي تخص الوجود بأكبر قدر من الفكاهة. لكن اسمح لي بملاحظة صغيرة، كي لا تقع مستقبلاً في مطب عظيم، كتابياً ومسرحياً: يجب ان يهتدي غودو الى شيء ما في نهاية الأمر.






مدام بوفاري (غوستاف فلوبير)

وأيضاً، أين هي مشاهد الجنس؟
(من نفس الناشر، في اليوم التالي) حسناً، سيد فلوبير، أتقدم منكم بالاعتذار من رسالة الرفض التي أرسلتها لكم بالأمس. لقد أحسست بالذنب لدرجة أني لم أنم الليل. لا شك بأنكم أنجزتم كتاباً ضخماً، ببنية متناسقة وأرى أنه من الإجحاف رفضه من قبلنا بكلمات مقتضبة.
سأشرح لكم المشكلة بشكل أوضح وبفجاجة أقل.
كنا نتوقع شيئاً مثل Fifty shades مع قليل من التوابل الفرنسية. لدينا أيضاً الكثير من الكتب المثيرة في جناح المراهقين. لن يكون الأمر بهذه السهولة.
أخيراً، شخصية الصيدلاني... هذا الرجل (نسيت اسمه) لا يطاق. لدي قريب صيدلاني أنا أيضاً، وأؤكد لكم أنه لا يطاق هو الآخر. قد يكون الأمر متعلقاً بالمهنة، هذا محتمل.
بالخلاصة:
Merci, mais Non merci.



مائة عام من العزلة
Querido غابو


لو حذفتم كل هذه الأشياء الغرائبية، الخارقة للطبيعة، التي تصل الى حدود الصوفية، سيكون كتابكم عظيماً. مسألة صغيرة أضيفها، أخشى أن لا يبقى كتاب بعد هذا الحذف.






أوتيللو (شكسبير)
آه يا بيل


ها أنت تعاود الكرّة. لقد أنذرتك منذ بضع سنين، حين أخرجت لنا الشخصية تلك، شيلوك بثمرة الجوز، القالب الجاهز للمرابي اليهودي، هل تذكر؟ «لا للمس بالأقليات». هذا ما قلته لك في حينها، وها أنت ذا. والآن تتناول الزنوج (أو العرب، وهذا أسوأ. «المحمديون». ما هو هذا المصطلح تحديداً؟) تبت يداك يا بيل. أتوسل إليك، ابتعد من هذا البازار السياسي القذر. اترك هذه المسألة للعتاة، ميشيل ويلبيك مثلاً. تفرغ للملوك القساة والعشاق المعذبين، اختصاصك الأثير.

الكوميديا الإلهية
السنيور آليغري


أتفهم أنكم تتناولون بالمحاولة نوعاً أدبياً هو «الأساطير الإيطالية القديمة». كان الكاتب الكبير دان براون حقق منه ثروة وفتوحات عظيمة وبَزَّ سابقيه (ومنهم أنتم) ومجايليه فيه. اضافة الى أن نصكم مكتوب بطريقة المقاطع اللفظية الشعرية الإحدى عشرية. أخشى بشكل جدي أن لا يكون له مستقبل طويل الأمد في المكتبة.
ومن ثم، لسنا معجبين تماماً بمقطع الجحيم. المطهر والفردوس لا بأس. لكن الجحيم؟ ألا تجدون أنكم توجهون رسالة مخيفة للإنسانية من خلال هذا المقطع؟ قد يكون من الأفضل أن تركزوا مجهوداتكم على إضافة فكرة مفادها إمكانية الفرصة الثانية في الحياة. سترون أن هذا أكثر ايجابية بكثير من فكرة الإدانة الأبدية.
Cordialmente


تفسير الأحلام (فرويد)

بعد التحية والاحترام، ان كان من شيء ألومكم بشدة عليه، فإنهم الأشخاص الذين يروون لك مناماتهم. زوجتي السابقة كانت تفعل الأمر نفسه كل الوقت. كل صباح، أول ما تبعث من مرقدها: «حلمت بشيء، لن تقوى على تصديقه. كانت العمة تينا موجودة لكن في لحظة انتبهت إلى أن لها شاربي قطة وأنها كانت تطير في كل مكان داخل البيت. لكنها لم تكن قطة، لا أعرف كيف أشرح الأمر، فجأة رأيتك أنت تمشي عارياً وكنت تتغوط بسروالك». انتهى بي الأمر للطلاق. حسناً، أفهم أنه كان عليك القيام بالأمر لتحصيل قوْتك (سماع أحلام القوم وليس طلاقي من زوجتي)، لكن لماذا تلقي بأحوال روحك في هذا الكتاب على كاهلي؟


الغريب
(ألبير كامو)


حسنا، لنر إن كنت قد فهمت المسألة بدقة.
رجل يخرج من بيته، ثم ما الذي سيقوم به؟
يطلق الرصاص.
يطلق على من؟
على عربي.
عظيم.
الجواب هو لا، هذا ما أعتقده.

الحرب والسلم (تولستوي)

فذ، جذاب، عظيم ومذهل. (بدأت أفكر بالأرقام، نسخة الجيب سعرها قد يكون ٦.٩٩ يورو أو حتى ٥.٩٩ لو عثرنا على تعرفة مخفضة في المطبعة). شيء واحد فقط. أعرف أنكم من روسيا وأنكم بغاية الشغف ببلادكم وتاريخكم (أنا أيضاً: في المرة القادمة سأرافقكم الى مطعم في سان جيرمان يقدم أفضل المقبلات بالكافيار في باريس)، ولكن ما رأيكم باستبدال حملة روسيا ونابوليون في الكتاب بشيء أكثر شعبية؟ شيء يمكن أن يثير اهتمام ماكينة السينما العملاقة. لا أعرف، شيء من قبيل حرب الاستقلال. بأي حال، شيء يحصل بالضرورة في الولايات المتحدة. أرض الحلم والحرية، حيث المنتجون المحشوون بالعملة الخضراء سيتقاتلون لأجل فيلم يتناول عملكم العظيم. فلتكن رؤيتك أوسع دائماً، عزيزي ليو. هوليوود، لا موسكوفا.


موبي ديك (هرمان ميلفيل)
السيد العزيز


بعد اجتماعات عديدة، تم التوافق من قبلنا على تعديلات عديدة يجب أن يخضع لها كتابكم، نوجزها بما يلي:
بعض الزملاء لاحظوا وجود إشارات كثيرة من الانجيل داخل الكتاب. أليس من الممكن اختصارها قليلاً؟ بصراحة، نخشى تصنيف الكتاب ضمن كتب الطوائف والملل الدينية. أثناء اجتماعاتنا، أجمع الكل على أنّ الكتاب ينتهي بفوضى عارمة. ألم يكن من الممكن للبطلين، آشاب وموبي ديك أن يبقيا على قيد الحياة؟ ما قد يترك نافذة مفتوحة لجزء ثان من القصة، وهو الأمر المتعذر الآن.
كثيرون طرحوا السؤال: هل من الضرورة أن يكون الحوت؟ لماذا لا يكون الدلفين؟ الدلافين بلا منازع هي أكثر المخلوقات إثارة للتعاطف.
وأخيراً، وأجد شيئاً من الحرج في إثارة المسألة، العنوان يبدو مشبعاً بإيحاء جنسي مباشر. Dick. من قبيل الحياء، كان يمكن تسمية سمكتكم العظيمة «موبي ريشارد» مثلاً.


فاكتوتوم (شارل بوكوفسكي)

اللعنة. إن اسلوبك عظيم يا ابن الـ...(آسف من مخاطبتك بهذه الطريقة)، لكن شخصيات نصك تبعث على اليأس. لا شيء سوى الكحول وضروب النذالة مع سيدات سيئات الحظ، ما قد يحثني على الرهبانية والقسم على الامتناع عن الجنس. من فضلك، اكتب حول أي شيء آخر، بحق الرب. الأزهار، الصيف، الأرانب الصغيرة، المزاج الجيد. ما شئت، لكن بحق السماء، فلنغير الموضوع. هل يمكنك مثلاً، أن تكتب في أدب الأطفال؟

* كتاب ريكاردو بوزي «عزيزي الكاتب» (هيليوم آكت سود ــ 2016)