تشعر أمي بالحنق حين أردد طوال الوقت: أشعر بالتعب، أريد أن أرتاح، تنظر إلى وأنا أتمايل من الإعياء: ماذا فعلتِ حتى تشعري بهذا الإرهاق؟ أنت مستلقية طوال اليوم. أبتسم لها وأنا أتمتم: إني أعمل طوال الوقت! لكن أمي لا تعرف ذلك، فالأمر بالنسبة إليها ليس أكثر من فتاة عاطلة عن العمل كسولة، جل ما أفعله هو البحلقة في الأشياء كما لو أني أرى فيلماً طويلاً لا نهاية له، لكنه ولسوء حظي ليس فيلماً، ومن الصعب إخبارها بذلك فلن تصدق ما أقوله وستنعتني بالجنون، أظن أن الكسل كافٍ ليلتصق بي.


كم أود إخبارها بالمهن التي أعمل بها أثناء استلقائي، لن تصدق كم من الجهد أبذل، للأسف لا أحد يصدق أني أكافح وأكدح في هذه الحياة، ولأكون صادقة فبعض ما أقوم به ليس مشرفاً، ويجب التغافل عن هذه الحقيقة؛ لأتمكن من العيش والتصالح مع نفسي، أعترف أني أشعر بتأنيب الضمير حين أعمل سفاحة تتقن استخدام كل وسائل القتل، لكني مضطرة لذلك. فهناك أفكار لا يمكنك مواجهتها إلا بقتلها، وطريقة القتل تختلف بحسب سوء الفكرة، فمرة أطبقت الخناق على فكرة بيدي، ما زلت أتذكر عينيها وهي تحدق بي، وأنا أنفث في وجهها دخان السيجارة التي على طرف فمي، كنت أضحك لشرّي، ثم شعرت بالندم والخوف حين أصبحت الفكرة هامدة زرقاء باردة. عندها توجب عليّ العمل كشرطي فاسد يعرف كيف يخفي الآثار من مسرح الجريمة، وهذا عمل صعب جداً؛ فلا بد من تنظيف كل شبر واستخدام مواد تنظيف ومبيضات وارتداء القفازات والكمامات؛ فرائحة هذه المواد نفاثة تصيبني بالعطاس. كما أن عليّ تذكر كل الأماكن التي جلست فيها مع تلك الفكرة السيئة، ثم محاولة ترك المكان كما لو لم يقترب منه أحد. بعد الانتهاء، علي أن أعمل كحانوتي، ومن المهم أن أجهّز جثة الفكرة وأهندمها؛ حتى تكون لائقة في تابوتها، أعرف أن عليّ التحلي ببعض الإنسانية فاحترام الموتى واجب وإن كانوا أشراراً. بعد الانتهاء من ذلك، أبدأ العمل كحفار قبور، ويا للهول أكره هذه المهنة خاصة في الأيام المطيرة. سيكون هناك الكثير من الوحل والسيول، حتى أن مقبرة قديمة قد أخرج السيل كل الجثث المدفونة فيها. جلست ألعن طوال الوقت حفار القبور السيئ، ألم يعلم أن عليه الحفر عميقاً، ثم تذكرت أنني ذاك الحفار السيئ. في الحقيقة لم أكن سيئة بقدر ما كنت على عجل؛ فلطالما نادتني أمي وأنا أحاول دفن جثة لفكرة.
المطر يتهاطل والجثة في التابوت، أظنني سأتركها تطفو مع السيل. لن يلاحظ أحد ذلك سيظنونها جثة كبقية الجثث، المشكلة الوحيدة أن هذه المقبرة هي أرض خلاء، ومن المؤكد أنهم سيستغربون هذا الكم من الجثث! وسيثور مالك هذه الأرض.
عندها لم أجد حلاً غير العمل كمحقق سيئ السمعة. أحاول إقناع قسم الشرطة أن هذه الجثث لمقبرة أثرية لم يكتشفها أحد، وأن هذه الجثث هي ثروات سياحية. ورغم غباء هذه الفكرة إلا أنها وجدت رواجاً في مدينة الأفكار هذه، وقد فرح مالك هذه الأرض البائرة بارتفاع ثمنها.
في هذا الوقت، قرر مجلس المدينة الاهتمام بثروته القومية من الآثار، فبدأ البحث عن محنط للجثث التي نجت من التحلل. هنا عملت محنطاً للجثث، كنت أسكب عليها الكثير من المواد الكيميائية؛ كي يصعب التعرف عليها، والغريب في الأمر أنني نجحت في ذلك، فالأفكار التي ظلت تزور المتحف طوال أيام الافتتاح لم تتعرف على أي جثة لفكرة، فرحت لذلك، كنت أسير في المتحف منتشية بنجاحي مرتدية نظارة طبية مزيفة ومعطفاً باهظاً، يوحي للناظرين بأنني شخص ذو مكانة. أثناء سيري، اصطدمت بعمدة المدينة وكانت فكرة مسنة تشد حزامها طوال الوقت، ابتسمت لها محاولة إكمال سيري، لكنها أمسكت بيدي وحاولت التعرف عليّ، سألتني: ماذا أعمل؟ أجبتها بلطف: طبيبة، ثم حاولت التملص منها، لكنها ألحت بأسئلتها ولم يكن علي إلا مجاراتها، والأمر السيئ أن عليّ الكذب طوال الوقت، والضحك على نكاتها السيئة. بعد ذلك استأذنتها للخروج، وقد وددت الهرب؛ فأخي الصغير يشد شعري وهو يصرخ باسمي، ولسوء حظي ارتطمت بفكرة حامل لم أنتبه لها، حاولت الاعتذار منها والهرب، إلا أن صراخها جلب حضور الافتتاح للبوابة، عندها بدأت ضجة الأفكار: لا بد من حضور سيارة الإسعاف، حاولت استغلال انشغال الجميع والهرب مجدداً، لكنّ يداً تسللت لكتفي وربتت عليّ أمام الجميع: لا داعي لسيارة الإسعاف، فهذه طبيبة.
التفت للخلف وأنا أشعر بالغضب الشديد. أردت ضرب صاحب تلك اليد إلا أنها للعمدة، حاولت الابتسامة في وجهها بلطف، يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل؟
لحسن حظي أن فكرة تعمل ممرضة كانت كفيلة بإنقاذي من هذه الورطة، حاولت التصرف كطبيبة وأخبرتهم أني طبيبة أسنان لم أتعلم كيفية التوليد، هنا ابتسمت الممرضة: لا عليك سأرشدك، فقط أحتاج يداً تساعدني.
شعرت بالخوف، ماذا لو اكتشفوا من أكون؟ هنا شعرت بصفعة قوية على وجهي، أوه إنه أخي المشاغب، نهضت بسرعة لأطرده من غرفتي، حين عدت كانت الفكرة الممرضة قد ساعدت في إنجاب فكرة صغيرة صلعاء، شكرتها ومضيت، مستغلة انشغال الجميع بالفكرة الوليدة.
حين هممت بالانصراف جاءتني فكرة أمّ وهي تجر خلفها بناتها الصغيرات، وقد أخبرتني أنهن يشتكين من أسنانهن وقد أصابها التسوس؛ لكثرة ما أكلن من حلويات، ابتسمت لهن وأنا أردد في سري: اللعنة ماذا علي أن أفعل؟ علي الاستعداد للخروج، لن تغفر لي أمي ذلك.
أخبرت الفكرة الأم بضرورة زيارة عيادتي غداً، سألتني عن مكان العيادة، صمت لوهلة: أين ستكون عيادتي؟ علي الإجابة سريعاً قبل أن تشك في أمري، اخترت مكاناً للعيادة يبعد عن المدينة نصف ساعة قرب محطة بنزين على الطريق السريعة، كنت أود إكمال الوصف لها لكنها قاطعتني قائلة: المكان بعيد جداً وسنسافر الليلة، أمسكت يدي متوسلة إليّ لعلاج بناتها، وبدأت بالحديث عن وضعهن الطارئ، وأن لا داعي للانتظار وفي المتحف عدة إسعافات أولية خاصة بالأسنان، ابتسمت وقلت لا بأس، وقد خططت لخلع كل الأسنان المنخورة، تراصت بنات الأفكار وكن بين مبتسمة هادئة، وأخرى حانقة ملولة، وتلك الثرثارة البلهاء، وهناك الصامتة نائمة طوال الوقت، أمسكت بالكماشة وقد تراصت الأفكار، كانت أمي تطرق باب غرفتي غاضبة: لماذا لم تستعدي للخروج حتى الآن؟
لماذا عليكِ التأخر دائماً كما لو كنت عجوزاً؟ يا إلهي صوت أمي يشتت انتباهي، علي التركيز: ركزي، ركزي.
حين عدت كانت الفكرة الأم تصرخ: لماذا الكماشة؟ ألن تقومي بعمل حشوة بعد تنظيف السن المنخورة؟
أجبتها بحنق: قومي بالعمل بدلاً عني؟!
ردت: أعتذر لكني أم خائفة. شعرت بالانتصار حين اعتذرت. كنت أخشى أن تشك بأهليتي كطبيبة أسنان، بدأت بالفكرة المبتسمة الهادئة لكن عينيها كانتا تكثران الحديث، نظرت إليها بحنق وخلعت أسنانها بشدة حتى فاضت عيناها الثرثارتان بالدموع ولم يعد يخرج منهما أي كلام.. حين اقتربت من الفكرة الحانقة وجدتها تقاوم، ولحسن حظي وجود إبرة مهدئة في حقيبة الإسعافات وخزتها بها فنامت ثم أكملت المهمة. أما الفكرة الثرثارة البلهاء، فقد أفقدتني التركيز حتى أني قرضت لسانها، ذهلت الفكرة الثرثارة بما حدث لها، فلم تحرك ساكناً، لكن فجيعة الأم بما رأت قد أحدث دوياً من العويل، كنت أكلم نفسي: ماذا علي أن أفعل لإسكاتها، لن أقوم بقتلها بالتأكيد؛ تكفي تلك الجثث التي توليت أمرها اليوم، علي أن أتصرف بسرعة. اقتربت منها وهي فاغرة فاها وقرضت لسانها، كان الأمر مفجعاً بالنسبة لي، ولم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق؛ لكن توجب على إسكاتها قبل افتضاح أمري، ركضت الفكرة الأم كالمخبولة وقد نسيت أمر بناتها الصغيرات، ولم يكن علي إلا ترك المكان والركض بشدة وأنا أتمتم: علي الهرب من مدينة الأفكار هذه؛ إنها مدينة مجنونة.
كان نداء أمي يقطع مجرى الأحداث، كما يحدث لقناة مشوشة، انقطع البث فيها فجأة، ثم عم الظلام الحالك. حين قمت، وجدت أمي قد ألقت الثوب على وجهي، نظرت إليها وأنا أرغب في البكاء:
أمي أرجوك أشعر بالتعب الشديد أريد أن أرتاح.
* كاتبة سعودية