لقد كان للحرب العالمية الثانية ـــ كما الأولى ــــ تأثير كبير في مستقبل بلادنا، كما في كثير من أقاليم العالم. وإحدى نتائج تلك الحرب كان انتصار المشروع الصهيوني (الأصح: الصهيوني المسيحي) وتقاسم الحركة الصهيونية وعصاباتها فلسطين مع بقية كيانات سايكس- بيكو العربية في المشرق وجزيرة العرب، إضافة إلى مصر.

لقد كان لتلك الحرب نتائج مدمرة للمنطقة ما زلنا نعيشها إلى يومنا هذا، وسترافقنا إلى أن يتم القضاء على كيان العدو الصهيوني واستعادة فلسطين وعودة أهلها إليها.
لسنا في حاجة إلى تأكيد تأثير سياسة ألمانيا النازية العنصرية والإجرامية تجاه الأشكناز في نتائج الصراع في فلسطين وعليها، والدور، ربما القطعي أو الحاسم، الذي مارسه في هجرتهم وتهجيرهم الجماعي إلى فلسطين عقب انتهاء الحرب. ثمة دلائل موثقة على أنّ تلك الهجرة لم تكن اختيارية، وإنما فرضتها قوى التحالف على الأشكناز. ذلك أن القسم الأعظم من المهجرين كانوا يودون التوجه إلى الولايات المتحدة لا إلى فلسطين، ومنهم من وصلها عابراً المحيط الأطلسي مهاجراً. لكن واشنطن أجبرتهم على العودة إلى ‹معسكرات المهجرين» في بعض أنحاء غربي أوروبا.

هذه المقدمة ضرورية لفهم مغزى كتاب «عندما فر الأشكناز إلى ألمانيا: فصل مجهول من تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية» («كولن» 2017). يعرض العمل معاناة الأشكناز على يد شعوب أوروبا الشرقية، مما أجبرهم على الفرار من أوطانهم في بولونيا وتشيكيا وسلوفاكيا. وهذا المؤلف يتكلم عن تلك المسألة عبر متابعة معاناة عائلات أشكنازية اضطرت لمغادرة وطنها البولوني والتوجه إلى ألمانيا [النازية!] المحتلة، وأجبرت على الإقامة لنحو عقد من الزمن في أحد معسكرات المهجرين والمهاجرين الذي عرف باسم Stalag IX A Ziegenhain.
أود التنويه هنا إلى أنّ بعض التفاصيل التي يوردها المؤلفان هانس بيتر فولدينغ وهاينس فيرفورث، على لسان من تبقى من العائلات، ليست ذات مغزى لهذا العرض، ذلك أنها تسرد من منظور اليوم وليس من منظور تلك الأيام. ما يهمنا هنا الرواية المريعة عن معاناة الأشكناز اليومية في بلادهم وأوطانهم التي عاشوا فيها قروناً من الزمن، والكراهية التي واجهوها، مما أجبرهم على الفرار سراً من أوطانهم.


وزّعتهم القوات الأميركية والفرنسية والبريطانية على معسكرات خاصة

هذه بعض حقائق تاريخ معاناة الأشكناز في أوروبا، شرقيها وغربها، المسكوت عنها في المؤلفات السائدة عن الحرب العالمية الثانية، بل المسكوت عنها في كافة المؤلفات الأكاديمية الموثقة. فقط بعض الكتاب الألمان اليمينيين كتبوا عن بعض تلك الجوانب، لكن مؤلفاتهم مجهولة للقارئ.
المهجرون الأشكناز الذين بحثوا عن الأمان في ألمانيا منذ عام 1945، وأجبروا على الإقامة فيها، في «معسكرات المهجرين» بلغت أعدادهم مئات الآلاف، وقامت قوات الاحتلال الأميركية والفرنسية والبريطانية بتوزيعهم على معسكرات عدة أقيمت خصيصاً لهم، إلى أن حان وقت ترحيلهم إلى فلسطين عقب اغتصابها في عام 1948 مع أن «أورشليمهم» كانت عبر الأطلسي.
من الأمور الملفتة أن قوات الاحتلال الأميركي في ألمانيا، عملت على إسكان المهجرين والمهاجرين الأشكناز الفارين من اضطهاد شعوب شرقي أوروبا في أمكنة كانت قائمة، التي كانت مراكز تجميع أقامتها النازية للأشكناز من شرقي أوروبا والاتحاد السوفييتي، في الطريق إلى معسكرات الاعتقال. بعد انتهاء الحرب، قامت قوات الاحتلال الأميركي بتحويلها إلى معسكرات اعتقال لأسرى ألمان، لكنها فرغت بعدما خضعوا لدورة «إعادة تثقيف ديمقراطية» استمرت بضعة أيام، بما أفسح في المجال إلى استعمالها مقاراً للمهاجرين والمهجرين الأشكناز الفارين إلى ألمانيا.
يحوي العمل وصفاً للحياة داخل المعسكر آنف الذكر وأسكن فيه بضعة آلاف من الأشكناز، بينما أطلقت قوات الاحتلال الأمبركية عليه اسم D.P. Camp 95-443.
ما يهمنا هنا، إضافة إلى الحقائق آنفة الذكر، تفاصيل الحياة كما ترد على لسان العائلة موضوعة المؤلف، إذا تذكر أن طقوسها في داخل المعسكر كانت مطابقة لما كانت عليه في الخارج. فالحديث بين قاطنيه كان يتم باليديشية التي هاجمها مجرم الحرب بيغن وغيره من الصهاينة، كذلك لغة التعليم والصلاة وما إلى ذلك. تلك كانت الحياة الطبيعية للاشكناز، ولم تكن لديهم رغبة في الانتقال إلى مجتمع غريب في فلسطين، لكن واشنطن منعتهم من دخول أراضيها وأجبرتهم على الإقامة في مختلف المعسكرات، إلى أن حان موعد ترحيلهم إلى فلسطين لدعم الاستيطان الاستعماري الصهيوني هناك.
هذه بعض الحقائق الواجب تذكرها بالعلاقة مع الحرب العالمية الثانية ومصير الأشكناز وأسلوب حياتهم ودور قوات الاحتلال الأميركي في تهجير مئات الآلاف منهم إلى فلسطين ومن بعد إلى كيان العدو، وقد تم بالتوازي مع قيام العصابات الصهيونية بتهجير الفلسطينيين من وطنهم.