للموت ألوانه في معتقدات القدماء. فهناك موت أحمر، وموت أبيض، وموت أسود، وموت أغبر.

أما الموت الأحمر، فهو موت القتل: «الموت الأَحمر: القتلُ بالسيف» (لسان العرب). وهو أحمر لأن الروح تفارق الجسد فيه على شكل سائل هو الدم: «وفي الحديث... كلُّ شيء له نَفْس سائلة فمات في الإِناء فإِنه يُنَجِّسه، أَراد كل شيء له دم سائل» (لسان العرب). ويفترض أن هذا الموت أقسى أنواع الموت. لذا يقال عندنا في العامية والفصحى عن كل أمر شديد قاس: «موت أحمر». أما الموت الأبيض، فهو الموت الفجائي، منا يقال لنا: «في الحديث: لا تقوم الساعة حتى يظهر الموت الأبيض والأحمر؛ الأبيض: ما يأْتي فجأة» (لسان العرب). وحسب المصادر القديمة، فإن هذا الموت يدعى أيضاً بالجارف واللافت والفاتل.

لكنني لست مقتنعاً أن الموت الأبيض هو موت الفجاءة. فموت الفجاءة تبعاً لحديث نبوي هو موت الفوات: «مر النبي صلى الله عليه وسلم تحت جدار مائل فأسرع المشي، فقيل لرسول الله: أسرعت المشي، فقال: إني أكره موت الفوات، يعني موت الفُجاءة» (الأزهري، تهذيب اللغة). وهذا الموت يدعى أيضاً «أخذة الأسف»، أو «الوَحِيُّ». والوحي هو الصامت الهامس. وأرى أن الموت الأبيض هو الموت العادي، سواء كان مفاجئاً أو غير مفاجئ. بالتالي، فالموت المفاجئ الذي لا يحدث فيه جرح نوع من الموت الأبيض. وهو أبيض لأن الروح تخرج فيه على شكل هواء. ولون الهواء أبيض افتراضاً، لأنه يختلط بنور النهار، في ما افترض. بذا فللروح شكلان: سائل أحمر، وهواء.
ولأن الروح تأخذ شكلاً هوائياً. فليس ثمة في اللغة فرق بين الروح والريح- الهواء: «الرَّوْحُ بَرْدُ نَسِيم الريح. وفي حديث عائشة، رضي الله عنها: كان الناسُ يسكنون العالية فيحضُرون الجمعةَ وبهم وَسَخٌ، فإِذا أَصابهم الرَّوْحُ سطعت أَرواحهم فيتأَذى به الناسُ، فأُمروا بالغسل؛ الرَّوْح، بالفتح: نسيم الريح» (لسان العرب). ولأن شكلي الروح، الدموي والهوائي، هما في النهاية شيء واحد، فإنه لا فرق في اللغة أيضاً بين الروح والريح من جهة، وبين الراح، أي الخمرة، من جهة أخرى. فالخمرة تسمى الرياح أيضاً بفتح الراء. يقول امرؤ القيس:
كأن مكاكيّ الجواء غُديّة
نشاوى تساقوا بالرياح المفلفل
ذلك أن الخمرة، أي النبيذ، عديل الدم. بالتالي، فالنبيذ روح ما. من أجل هذا يصنف النبيذ كمشروب «روحي». وقال المسيح حين صب النبيذ: «واشربوا هذا دمي». النبيذ هو الدم. والدم هو الروح والنفس. بذا فالنبيذ (الراح) يشترك في الجذر مع الريح والروح.

العطاس والموت

ولأن الروح تخرج من الأنف والفم على شكل هوائي في الموت الأبيض، الموت العادي، فقد كان العطاس دوماً أمراً خطراً. فالعطسة القوية قد تخرج الروح من الفم أو الأنف. وبسبب هذا تتشاءم كثير من الشعوب من العطاس. كما أنّ كثيراً من الشعوب تكنّي عن الموت ذاته بالعطاس. ففي العامية يقال: عطس فلان بمعنى مات. وفي العربية الفصحى: «إذا مات رجل قالوا: عطس الرجل، وعطست به اللجم، واللجمة ما تطيرت منه، ويقال للموت: لجم عطوس. وكلما كانت العطسة شديدة كان التشاؤم منها أشد» (الجاحظ، الحيوان).
ولأن العطاس أمر خطير يجري تشميت العاطس عادة، أي يدعى له بالخير: «شمَّتَّ العاطسَ تشميتاً: قلت له: يرحمك الله: والتَّشميت: الدُّعاء، وكل داعٍ لأحدٍ بخير فهو مُشمِّتٌ له» (الخليل، العين). وفي الحديث البنوي: «للمرء المسلم على أخيه من المعروف ستة: يشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، وينصحه إذا غاب أو شهده، ويسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويتبعه [يشيّعه] إذا مات» (كنز العمال، المتقي الهندي).
وجاء في بيت لامرئ القيس:
وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل
شديد مشكّ الجنب، فعم المنطّق
ويقال أنه: «أراد بذلك أنه كان يتنبه للصيد قبل أن ينتبه الناس من نومهم، لئلا يسمع عطاساً فيتشاءم بعطاسه» (د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام).
أما الموت الأسود فهو الموت بالماء أساساً، أي الموت غرقاً أو شرقاً: «الموتُ الأَسود: هو الغَرَق والشَّرَق» (لسان العرب). وهو موت أسود لأن الماء بعتمته يصنف أسود بشكل ما. من أجل هذا يسمى الماء والتمر بالأسودان: «ما طعامهم إلا الأسودانِ، وهما التّمر والماء» (الزبيدي، تاج العروس).
أما الموت الأغبر، فيقال أنه موت الجوع: «الموت الأغبر هو الموت جوعاً، وذلك أنه يغبرّ في عينه كلّ شيء» (الميمني، سمط الآلئ).

حتف الأنف

ويدعى الموت الطبيعي، الذي لا يكون عن حادث، «حتف الأنف» أيضاً، أي موت الأنف. وهو نقيض الموت قتلاً، أي نقيض الموت الأحمر. يقول الميداني مفسراً تعبير مات حتف أنفه: «أي مات ولم يقتل. وأصله أن يموت الرجل على فراشه فتخرج نفسه من أنفه وفمه» (الميداني، مجمع الأمثال). بالتالي، فحتف الأنف طراز من الموت الأبيض. و«يقال أيضاً ماتَ حتفَ فيه [أي فمه]، كما يقال: مات حتف أنفه، والأنف والفمُ: مخرجا النَّفس» (الأزهري، تهذيب اللغة). وهذا الموت هو نفسه (الموت بأجل) أيضاً. فحين يقال جاء أجل فلان، فإنما يعنون هذا الموت في الأصل، ولا يعنون القتل. وهذا يعني أن موت القتل يبدو كما لو أنه معاكسة للأجل وخروج عنه. بالتالي، فموت محدد، مدون الموعد، بشكل ما. غير أن التفريق بين التعبيرين والموتين وهي لاحقاً.


قال المسيح حين صب النبيذ: «واشربوا هذا دمي». النبيذ هو الدم. والدم هو الروح والنفس

ولم يكن حتف الأنف موتاً محبباً عند العرب القدماء، بل كانوا يفضلون عليه الموت قتلاً. وعن علي بن أبي طالب: «أنه... قسم أن القتل أهون من الموت حتف الأنف» (ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة). ومشهور أيضاً بيت السموأل الذي يقول فيه: «وما مات منا سيد حتف أنفه/ ولا طلّ منا حيث مات قتيل». ومثله مشهور أيضاً كلام خالد بن الوليد الذي يأسف فيه على نفسه لأنه يموت موتاً طبيعياً رغم مئات الحروب التي شارك فيها: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير». الموت على الفراش هو حتف الأنف. وهذا الموت يصلح للحيوانات الأهلية لا للناس الأشداء في عرف القدماء.
وكان يعتقد أن الحيوانات البرية لا يصيبها حتف الموت، أي أنها لا تموت موتاً طبيعياً أبداً. فلا بد من عارض يعرض لها ويميتها. ومن دونه كانت حياتها ستستمر إلى ما لا نهاية: «قال الأصمعي: لم يمت وحشيّ حتف أنفه قط، إنما موته عن آفة» (لسان العرب). يضيف الأصفهاني أن السّمع، أي ولد الضبع من الذئب: «لا يموت حتف أنفه... وإنما هلاكه بعرض من أعراض الدنيا» (الأغاني). وهو في ذلك مثل الحية: «والسمع كالحية لا يعرف الأسقام والعلل، ولا يموت حتف أنفه، بل يموت بعض من الأعراض يعرض له» (الميداني، مجمع الأمثال).
وحسب الجاحظ، فإن «المجوس تزعم أن [الدابة] المنخنقة والموقوذة والمتردِّية، وكل ما اعْتُبط [ذبح من غير مرض أو إصابة] ولم يمت حَتف أنفه [موتاً طبيعياً]، فهو أطيب لحماً وأحلى؛ لأَن دمه فيه، والدم حلو دسم» (الحيوان). لكننا نحن نعلم أن القرآن حرم أكل المنخنقة والموقوذة والمتردية، في معاكسة للمعتقد المجوسي الذي حدثنا عنه الجاحظ. وأغلب الظن أن سبب تحريم هذه الحالات هو بقاء الدم داخلها، أي «لأن دمه فيه» كما قال الجاحظ. فالدم هو الروح: «النَّفْس: الرّوح... والنَّفْس: الدم» (لسان العرب). ومسموح لك أن تأكل اللحم لا أن تأكل الروح، كما تقول التوراة: «لكن احترز أن لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس مع اللحم. لا تأكله. على الأرض تسفكه كالماء» (التوراة: تثنية 12: 23-25). وبما أن المنخنقة والموقوذة والمتردية لم يسفك دمها، فقد حرم أكل لحمها، لأن فيه شبهة أنك ستأكل دمها، أي نفسها، مع لحمها.
لكن هذا، أي منع أكل الدم، كان في الأصل معتقد طائفة الحلة عند العرب في مكة. أما طائفة الحمس فكانت في ما يبدو لا تحرم أكل الدم. من أجل هذا، فقد سمي حلفها الديني- السياسي باسم: حلف لعقة الدم: «ونحر الآخرون جزورا وغمسوا أيديهم في دمه، ولعق رجل من بني عدي من ذلك الدم لعقة» (ابن حبيب، المحبر)، فسموا لعقة الدم.
والكون في عرف القدماء يشبه أن يكون أضحية مكونة من لحم ودم. واللحم فيها عديل الخبز. أي أن الكون مقسوم إلى دم- خمر، ولحم- خبز، وفي بعض اللغات السامية فإن «لخم، لحم» تعني الخبز. وحين كسر المسيح الخبز، وصب النبيذ، قال: «كلوا هذا جسدي، واشربوا هذا دمي». لحمه هو الخبز، ودمه هو النبيذ. فهو أضحية لخلاص الكون.
* شاعر فلسطيني