هو ليس مخرجاً. لا يعرّف عن نفسه كذلك: «أنا ممثل أولاً وآخِراً»، هكذا يقول حال جلوسك معه، ناهيك بأنه بحسب توصيفه «ممثل شاطر». إنها الفكرة التي يمكن أن تراها في مختلف أعماله، حتى تلك التي كتبها وأخرجها (تفوق الأربعين عملاً).


المسرح ليس فناً فقط عند روجيه عساف (1941). إنه الكثير من الإخلاص والاندفاع وفوق كل هذا: إظهار وتمظهر للقضية المركزية التي يؤمن بها.
كيف يمكن لصفحاتٍ قصيرة أن تختصر ملامح تجربة روجيه عساف العائد هذه الأيام عبر مسرحية جديدة هي «حرب طروادة» التي تنطلق الليلة في «دوار الشمس»؟ من شاهده قبل مدّة في أدائه دور «الملك لير» (الأخبار 3/12/2016) يدرك تماماً أي نوعٍ من «المؤدين»، وأي نوعٍ من «أساتذة المسرح» هو. اليساري الجميل، الذي حمل السلاح يوماً ولم يحمله في آنٍ، الذي أخذ أفكاره الطليعية إلى الخشبة مدفوعاً بقضية ورؤية عن مسرح شعبي ملتصق بالناس وذاكرتهم الجمعية، استثمر سنين عمره الطويلة في المسرح، قدّم «ليراً» يختلف عن أي ملكٍ قد شاهدناه من قبل. في الإطار عينه، قدّم عالماً يشبهه هو أكثر من أي شخص آخر؛ حتى إنّ كل مَن تابع مسرحيات شكسبير، يدرك تماماً أن «الملك» (وليس لير هذه المرة) أعطى ــ كممثل ــ بطريقةٍ يصعب لا تقليدها فحسب، بل تكرارها أيضاً.
لم يحصل روجيه عسّاف على الدكتوراه في المسرح، لكنه صنعه، علّمه أكاديمياً، كوّنه كما يحب. وفوق كل هذا، استطاع ربما للمرة الأولى في المسرح اللبناني (والعربي عموماً) أن يخلق مسرحاً عربياً طليعياً يقارب فئات المجتمع، يتحدّث عنهم وحولهم: مازجاً بين لغة شكسبير والحواري الشعبية، موسيقى الصالونات والغناء الشعبي الحميم والعفوي، المنطق التجريبي البسيط والحرفة المسرحية العالية.
الممثل المسرحي الذي دخل عالم التمثيل هوايةً، لم يكن يتوقع أن يصبح إحدى علامات المسرح الحديث في العالم العربي، هو الذي دخل هذا العالم الجديد عليه على حد تعبيره وهو لا يزال حدثاً (في السابعة من عمره للمرة الأولى على مسرح المدرسة). كانت التجارب المسرحية في لبنان ــ كما الصنعة ــ في خمسينيات القرن الماضي محدودةً، أو تؤدى باللغة الفرنسية، بمعنى آخر: لم تكن هناك تجارب عربية البتة. هنا كان عساف أمام قضيةٍ أشد تعقيداً، ليس كيف نخلق مسرحاً عربياً فحسب، بل كيف نخلق تجربةً عربيةً تشبه الناس، تشبه من نتحدث عنهم، ومن نمثلهم، خصوصاً أنَّ المسرح يجب أن يكون «شبيهاً» بالناس وبقضاياهم؟ عساف يؤكد دائماً بأن القضية عنده أهم من المسرح، حتى إنه في لحظةٍ ما ترك المسرح (لأكثر من خمس سنوات كاملة) ليراكم ويمارس عمله «الثوري - الثقافي» العضوي بين الناس، فغادر إلى الأردن في فترةٍ ما، وعمل في الجنوب اللبناني مع الناس وبينهم.
مسرحياً قارب التجريب، هو الذي لا يخاف أبداً أن يجرّب الجديد (الأخبار 13/2/2014). لم يكن كلاسيكياً منذ البداية، فكيف يمكن أن يصير هكذا الآن؟ اخترع في لحظةٍ ما مسرحه الخاص، لغته المسرحية الخاصة، طريقته في تقديم الممثلين وحركتهم. هو إذاً يعشق المسرح بطريقته، بأسلوبه الخاص. لذلك، لم يكن غريباً اليوم على صاحب «الجرس» و«آخ يا بلدنا» و«حبس الرمل»، «المغنية الصلعاء»، أن يعود إلى المسرح اللبناني/العربي من خلال «حرب طروادة» التي تحاكي الحرب الاغريقية الشهيرة. لكن لماذا اختارها المخرج المسرحي الكبير؟ «بعد انتهاء مسرحية «الملك لير» (مع المخرجة سحر عساف)، طلبوا مني تنظيم ورشة تدريبية (Master Class)، فوافقت. قلت لهم بأننا سنقدم مسرحاً يونانياً (تراجيديا يونانية)، فوافقوا وقررنا القيام بهذه المغامرة». طبعاً المسرحية ليس لديها ممول، يؤكد عساف: «قررنا أن نقدم المسرحية ولو من دون ممول. نسدد تكاليفها من مردودها، ثم إن انتاجها لم يكن مكلفاً». بدأ العمل على «حرب طروادة» بدايةً منذ شهر أيلول (سبتمبر) الفائت، وهي عبارة عن مزج لثلاث مسرحيات إغريقية معروفة («إفيجينيا في أوليس»، «الطرواديات» و«أجاممنون») تتناول الحرب الإغريقية -الطروادية منذ بداياتها حتى نهاياتها. إذ تنحى المسرحية (كتابة وإخراج روجيه عساف ــ أداء ماريليز عاد، نزهة حرب، سهى نادر، ضنا مخايل، بشارة عطا الله، فاطمة الأحمد، سني عبد الباقي، هادي دعيبس، جوزيف زيتوني، باسل ماضي، عبد الرحيم العوجي، أحمد غزال) للحديث عن اختطاف الملكة الأسبارطية هيلين من قبل أميرٍ طروادي، مما أشعل حرباً تنتهي على عادة الدراما الإغريقية بقتل معظم الأبطال وتشريدهم. هل هناك رسالة خفيّة خلف المسرحية؟ بالتأكيد هناك رسالة، فمن يدرك أسلوب عساف في العمل، يعرف أنّ الفن عنده هو وسيلة لإيصال ما يريد قوله، فمسرح بلا قضية ليس بمسرح بالنسبة إليه.
ماذا عن التجربة مع الجيل الجديد؟ هل كان الأمر مختلفاً عما اعتاده عساف، خصوصاً أنه تعامل مع أغلب نجوم المسرح اللبنانيين كخضر علاء الدين (شوشو) ونضال الأشقر وجلال خوري والرحابنة ومنير أبو دبس (وسواهم)؟ يؤكد أنَّهم في هذه المسرحية «تعلموا طريقة جديدة لا يعرفونها هي أن المهم هو الإنسان لا الممثل. أنت هنا لست ممثلاً، أنت إنسان. ثانياً لا يمكنك أن تكون إنساناً بمفردك.


بدأ العمل عليها منذ شهر
أيلول (سبتمبر) الفائت، وهي
عبارة عن مزج لثلاث مسرحيات إغريقية معروفة
يجب أن تكون في مجموعة». تجربة العمل الجماعي كان المخرج اللبناني قد ضبطها سابقاً في الجامعة اللبنانية قبل صناعة تجربة «مسرح الحكواتي» عام 1979، حينما كان مديراً لقسم المواد المسرحية في الجامعة اللبنانية. يومها أتاه تلامذته طالبين منه أن يقوم بإخراج مسرحيةٍ لهم. هكذا خلقت تلك التجربة الرائدة. أخذت «الحكواتي» التجربة المسرحية المختلفة والمتمايزة الكثير من التراث والتاريخ اللبناني المحكي والشفوي، ودمغته لتقدّم مسرحاً عضوياً وغير مألوف لبنانياً، من خلال مسرحيات مثل «الجرس» التي قدّمت القدير رفيق علي أحمد للمرة الأولى في دور «سولو» (مونودراما). يومها، طلب عساف من تلامذته أن يعودوا إلى تراثهم ويستمعوا لما تقوله جداتهم وأجدادهم، ويستفيدوا من هذه التجارب ويؤرخوها. احتاجت التجربة لأكثر من عامين حتى تختمر وتخرج إلى النور. قدمت «الحكواتي» عدداً من المسرحيات المهمة مثل «حكايات 36» و«أيام الخيام» المسرحية التي حققت نجاحاتٍ هائلة وضعت تجربة «الحكواتي» ضمن مصاف التجارب المؤثرة والمهمة في العالم المسرحي العربي، فعُرضت المسرحية في العديد من العواصم العربية والعالمية.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، لا يمكن أن يكون الحديث حول «مسرح الحكواتي» من دون ذكر الطريق الذي أودى إليه، فالتجربة لا تخلق من فراغ، بل تتحضر بنياناً ولبنة لبنة حتى تصل إلى بنيانٍ مرصوص: تلميذ الطب الذي هجره بعد أربع سنوات من الدراسة، كان مختلفاً. وقبلها، فتلميذ «الفرير» الذي عشق المسرح وأداه كما لو أنه جزء من حياته اليومية، كان «فرنسياً» يقدّم المسرح لإجادته الفرنسية بطلاقة. لذلك كانت أغلب مسرحياته وقتها (كممثل بالتأكيد) باللغة الفرنسية. هذا كله سيتغير بشكلٍ جذري وحاسم بعد سنواتٍ، لكن ليس قبل أن يغرق في مسرحياتٍ «فرنسية» نصاً ولغةً، رغم كونها ذات أبعاد إنسانية مثل مسرحية Les Chaises ليونسكو. في الوقت عينه، شارك في التلفزيون مع المخرجين جان كلود بولس، وأنطوان ريمي، والياس متى، وأنطوان مشحو. بعد تلك المرحلة، وإثر حصوله على منحة جامعية من السفارة الفرنسية في لبنان عام 1963، قرر عساف التوجه إلى ستراسبورغ لدراسة المسرح. عاد بعدها أستاذاً للمسرح (من عام 1976 إلى عام 2003) وأحد رواد الجامعة اللبنانية ومؤسسيها (معهد الفنون الذي افتتح في اعام 1966) سريعاً إلى لبنان لأسبابٍ عائلية. تلك السنوات القليلة صقلت موهبته الفنية وعلّمته «حرفةً» سيستخدمها فيما بعد: «المسرح ليس هوايةً فقط. هناك تقنيات وضوابط وعلم دقيق. إنها ليست رؤية واحدة فحسب، بل هي تجميع لرؤى عدة مثل بريخت، ستانسلافسكي وأصحاب المدارس المختلفة. إنها وجهات نظر شديدة الاختلاف يمكن استخدامها جميعها للوصول إلى رؤية مسرحية». لم يتوقف الأمر عند عساف عند هذا الحد في تلك التجربة القصيرة، إذ وجد نفسه يفهم المسرح أكثر، كممثل بدايةً، ولاحقاً كمخرج: «وجدت أن المسرح لا يمكن أن يكون بلا ثقافة. ثم إنه فنٌّ غير بسيط. هو يختلف عن فكرة حفظ النص وإلقائه وتأديته. قبل هذه المرحلة، كان المسرح بالنسبة لي هو أن أعطى دوراً وأؤديه، بعدها لم يعد الأمر كما هو».
في عام 1968، كانت ولادة تجربةٍ جديدة بعد نكسة الـ 1967، «استغربت كثيراً كيف أثّرت بي النكسة وآلمتني، أنا الذي أعيش في لبنان، وأقدّم مسرحاً باللغة الفرنسية، كيف يؤثر بي حدث إلى هذا الحدث؟». فهم المسرحي القدير في تلك اللحظة أنه جزءٌ من ذات المنظومة الثقافية... أنّ المسرح والفن والثقافة مرتبطان بالقضية المركزية التي ستطبع منذ تلك اللحظة كل حياته لا كممثل أو مخرج أو مسرحي فحسب، بل كإنسان أيضاً، وتصقلها بالشكل الذي يجعلها كما هي على حقيقتها. «أردت يومها، أن أكتشف أكثر ما بداخلي، أن أهتم وأفهم الأمور السياسية التي تحدث حولي، وأن أتعرف إلى أناسٍ من خارج بيئتي». قرر عساف بعدها بالاشتراك مع نضال الأشقر إنشاء محترف «ثقافي»، فكان «محترف بيروت للمسرح». حاول بالاشتراك مع آخرين كثر صناعة «فنّهم» الخاص، مسرحهم الخاص، وثقافتهم الخاصة بعيداً عن الموجود والمعتاد والمستهلك. ضم المحترف آنذاك العديد من المبدعين والرواد في مجالاتٍ عدة لا المسرح فحسب، فكان طلال حيدر، أسامة العارف، وليد غلمية، منير بشير، نبيه أبو الحسن، رضا كبريت، نقولا دانيال، فؤاد نعيم وجان شمعون... كما قدّم عساف عدداً كبيراً من المسرحيات ذات الأبعاد مثل «المفتش غوغول» (1968)، «طبعة خاصة» (1968)، «مجدلون» (1969)، «كارت بلانش» (1970)، «مهرجان دمشق» 1970، «إضراب الحرامية»، «مرجانة» و«ياقوت والتفاحة» و«إزار»... جاءت الصدمة مع ولادة مسرحية «مجدلون» (1969) التي يشير إلى أنّها كانت مسرحية «مراهقة»، لربما مراهقة ثورية. كانت مليئة بالشعارات، و«محاولة لقول وتطبيق أفكارنا الثورية والمتأثرة بغيفارا وغيره، كانت دعوة ليست للثورة في لبنان فحسب، بل للثورة على مختلف الأنظمة العربية». ضمت المسرحية آنذاك نضال الأشقر، نقولا دانيال، كما الراحل جان شمعون. اللافت أنَّ المسرحية أوقفت عن العرض، إذ «دخل الأمن وأوقف عرضها بأمر من وزارة الداخلية وأخذونا للتحقيق». صدم المخرج اللبناني كثيراً، «ماذا كنا نفعل وقتها حتى يحصل ذلك؟ كنا نمثل فحسب». وقتها فهم أنَّ المسرح ليس أمراً يمكن تأديته من دون «قضية» لأنه ساعتها سيكون «تافهاً».
عساف سيبتعد سنوات (قرابة ست سنوات) عن المسرح، ليعود بعدها إلى الجامعة اللبنانية أستاذاً، ويقود تجربةً شديدة الأهمية هي تجربة «الحكواتي»، ثم يعود عام 2005 لإنشاء تجربة «دوار الشمس»، المسرح الطليعي الخاص به. «لا أغلق باب مسرحي أمام أحد، حتى أثناء التمرينات. أسمح للجميع بالحضور، أسمح لهم بالكلام، بالتعليق». بالنسبة إلى روجيه عساف، المسرح هو من الناس وللناس ولا يمكنه أن يكون دون ذلك البتة.

«حرب طروادة»: 20:30 مساء اليوم حتى 11 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ مسرح «دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/381290




جوائز كثيرة

نال روجيه عساف العديد من الجوائز العالمية:
- جائزة الأرزة الذهبية 1962.
- مهرجان Nancy الدولي 1976: الثالث في قائمة المميزين.
- جائزة أفضل عمل مسرحي في أيام قرطاج المسرحية 1983.
- منتخب مهرجان الأمم Théâtre des Nations 1984.
- وسام مهرجان Montpellier 1985.
- تكريم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 1991.
- جائزة أفضل عمل مسرحي وجائزة أفضل إخراج في ملتقى القاهرة الدولي 1994.
- جائزة الامتياز في أيام قرطاج المسرحية 1998.
- جائزة أفضل إنتاج فني - مؤسسة عبد الهادي الدبس 1999.
- جائزة «الأسد الذهبي» في «بينالي البندقيّة» للمسرح لعام 2008 عن مجمل مسيرته المسرحية




شوشو... تجربة على حدة

يشير عسّاف إلى أنَّ مسرح «شوشو» (الفنان اللبناني حسن علاء الدين 1939-1975) كان مختلفاً عن غيره. مسرحٌ قائمٌ بحد ذاته على أحد مؤسسي المسرح الوطني الشعبي ورواده. يوم قررا العمل معاً (أي روجيه وحسن علاء الدين)، حدث اللقاء بين عقليتين مختلفتين. أصر عساف على أن يضيف إلى العمل (آخ يا بلدنا) نظرته الخاصة وتقنياته. كانت «آخ يا بلدنا» مأخوذة عن مسرحية «أوبرا القروش الأربعة» لبريخت، الذي بدوره أخذها عن مسرحية «أوبرا الشحاذين» لجون غابي. «كان شوشو معتاداً تقنياً على العمل وحيداً، أنا غيرت هذا الشيء، من خلال إيجاد فرقة تعمل حوله. أنتجت هذه المسرحية مجموعة من النجوم المحليين مثل أحمد الزين وزياد مكوك وغيرهما». يقول عساف مشيراً إلى أنّه يتعمد أن يعطي كل شخصٍ دوره وأهميته محاولاً خلق علاقات بينهم كشخصيات. «في البداية، لم تعجب هذه التغييرات شوشو، ولم يتعود عليها بسهولة، لكنه سرعان ما اندمج بها، وأحبني كثيراً وأحببته، وظلت العلاقة جيدة جداً معه حين قدمنا لاحقاً مسرحية «خيمة كراكوز» (1974) وصولاً حتى وفاته». يؤكد عساف: «لكن أكثر ما يمكن تذكّره عن شوشو أنه كان يبكي حال انتهاء العرض، كان يبكي كثيراً، كان يعيش في المسرح، كان المسرح دواءه وحياته».





القانون ختم وبرنيطة

في عام 1972، ترك روجيه عساف المسرح لينخرط مرة أخرى في العمل الشعبي المقاوم. يومها ألح عليه أهل قرية عيناتا الجنوبية التي كان فيها أن ينجز مسرحية معهم. حاول إقناعهم بالعدول، لكنهم كانوا مصممين. كانت خطته بسيطةً: أن يتركهم يحكون له حكاياتهم وقصصهم، فيحوّلها إلى مسرحية. هذا ما حدث. «قلت لهم بأنني لن أنتج المسرحية، بل أنتم من سيفعل، فكانت إجابتهم بأنهم لا يعرفون، فقلت لهم إنكم أنتم من يعرف، أنا فقط سأدير العمل، وأنتم ستبدعون.
استغرقت الفكرة سنتين من التنفيذ. أخذوا يروون لي قصصاً عن حياتهم وماضيهم».
كانوا هواةً لكنهم كانوا يجيدون المسرح بالفطرة ــ يقول عساف ـــ يروون قصصاً عن الجنوب والقصف وبيوتهم المدمّرة، والفساد المستشري. في البداية، كانت الفكرة أن تشارك في المسرحية مجموعة من الممثلين المسرحيين أو ممن لديهم خبرة في المسرح (من سكان المنطقة)، لكن سرعان ما أحب «كتّاب» المسرحية ورواة القصص فيها التمثيل، فأدوا الأدوار بأنفسهم وكانت التجربة جميلةً. هذه كانت حكاية «القانون ختم وبرنيطة». كانت هذه المسرحية «من أجمل الأعمال في حياتي كلها، كما إنّها كانت الشرارة التي ألهمت أعمالي اللاحقة».





العيش المشترك

ما لا يعرفه كثيرون عن روجيه عساف أنه لم يكن في حياته مسرحياً فحسب، بل كان شخصاً حقيقياً إلى أعلى الحدود. عمل مع الناس، وشارك في المقاومة على طريقته، حتى أنه حمل السلاح في لحظة ما. يروي أنه في إحدى المرات كان مسؤولاً «عسكرياً» على إحدى المناطق (منطقة الشياح التي كانت تعتبر في السابق خط تماس).
رغم هذه المسؤولية العسكرية، لطالما أكّد أنّه كان يكره إطلاق النار، والرصاص، مشيراً إلى أنه «لم يطلق طلقة واحدةً من الرصاص». يتذكر يوم استنجد به بعض سكان منطقة «المريجة» في سبعينيات القرن الماضي، وكانوا من المسيحيين. طلبوا منه المساعدة باعتباره صديقاً لأحد وجهائهم، إذ كانت هناك بعض التعديات الصغيرة التي تحصل عليهم. تدخل عساف لا بصفته الفنان وليس حتى كـ «حامل للسلاح»، بل بصفته «إنساناً». أخبرهم أنه لن يساعدهم كما «يعتقدون» (أي باستخدام القوة) بل باستخدام العقل والمنطق. فنظر إلى المنطقة ككل وما هي حاجاتها: «وجدنا أن هناك مشكلة مياه، ومشاكل أخرى اجتماعية، يمكن حلها بالتعاون والتنسيق بين جميع أفراد المنطقة، لا الشارع ذاته فحسب». نجحت التجربة وفك فتيل الأزمة. هذه التجربة دفعت إحدى الصحف الفرنسية إلى الكتابة عن الموضوع وعن تجربة عيش وتعاون مشتركين من الممكن المراكمة عليها، ولكن ظروف لبنان حالت دون ذلك لاحقاً.