أولاد الشوارع


عندما كنا أولاد الشوارع
كان عزرائيل يجوب أزقتنا وحيداً وثملاً
كنا نظنه مجنون الحي البعيد
يجلس حين تتعبه المطاردة
يقف فجأة يبتسم للحجارة في قبضاتنا الصغيرة
ثم يمد يده لنا بسكاكر غريبة وشهية
على مهل خجلة تسقط حجارتنا المتعرّقة
قال لنا: «مثل هذه المهام يا أولاد تحتاج (صهريجاً من الخمر)»
إنها حقاً مهام متعبة وقذرة

تحتاج لفريق عمل
أرهقني الله حين كلفني
تحلقنا حوله نستمع لحكايات لم يروها لأحد
سأله صديقي: «كيف لملاكٍ أن يعرف ما هو الصهريج؟».
خجلنا جميعاً من السؤال
ومن وقاحة الصديق
لكننا ترقبنا وأصغينا جيداً للجواب
حتى ضحك ضحكة حلوة
كضحكة عجوز يلاعب حفيده..

هدايا متأخرة أو دون مناسبة

لهذا أرسلت هدايا للنمل
في حيّنا القديم - قرب بيت أهلي الذين ماتوا-
أرسلت مؤونة سنة كاملة
دونما أن ينتبه أولادي وزوجتي ولا جيراني
أو يعرف بذلك طلابي وزملاء العمل
ولن أكتب ذلك في مذكراتي الخاصة!
كنت أملك شاحنة حمراء وحيدة أحملها كقطعة حلوى طرية
أخاف أن تتألم إن ضغطت بشدة
وحين تتسخ يداي أحملها بفمي كأنني أمها القطة
شاحنة حمراء صغيرة وحيدة
وضعت في صندوقها تسع نملات مع حمولتهن القاسية
وقدت فرحاً الطريق الطويل الشاق
دون أن ننبس لبعضنا بكلمة واحدة
الراكبات والسائق
كنّ سعيدات وأنا كذلك - في السعادة تكمل عملك بصمت لطيف
حينها فقط تبتسم وتضغط أصابعك على المقود
عيونك تمسك الطريق
وفقط تفكر أنك سعيد - وحين وصلنا
قلت مثل سائق مفرط في اللطافة:
«لقد وصلنا تفضلن بالنزول..»
هالني
هالني كيف تاهت النملات
تاهت وتركت أحمالها
تاهت النملات ولم تهتدِ للمدخل الواضح تماماً
ديوني لا تنتهي للنمل والنحل والأشجار وللبحر
وثمة ديون للشوارع القديمة وديون للمارة وأخرى للهواتف وللثلاجات وللخبز وللشوك
ديوني لا تنتهي
لا تنتهي..
* شاعر سوري