في ظروفٍ كالتي نشهدها اليوم، قد لا يكون من المستحبّ أن يبدأ المقال بتشكيك؛ ولكنّنا، في الحقيقة، مجبرون على الاعتراف بحدود ما نعرفه عن نتائج الاتفاق النووي وتأثيره على المنطقة ــ في ما يتجاوز نص الاتفاق ذاته. كلّ من يخبركم أنّه يعرف يقيناً الشكل الآتي للعلاقات الأميركية ــ الايرانية يكذب عليكم، ومن يرسم خريطة جديدة للمنطقة على ضوء الاتفاق يتكلّم بناءً على افتراضات وتأويلات، وليس على وقائع. هذا حتى لا ندخل في التحليلات «الواثقة» لبعض العرب ــ الذين يفهمون إيران من خلال عقدهم وأوهامهم ــ عن تحوّلات «الداخل الايراني» إثر الاتفاق.


الكثير من هذه الأسئلة سيتّضح مع مرور الزمن. ما نملكه اليوم هو النصّ الأوّلي للتفاهم بين إيران والمجموعة الدولية. وهو يختصر، بين بنوده، مغازي سياسيّة كثيرة، ومسيرة صدام وتفاوض طويلة أوصلت الى هذا الاتفاق، أهمّ أحداثها قد جرى، تماماً، قبل تسع سنوات من اليوم.
في 14 تموز 2006، حين ضربت المقاومة اللبنانية، بصاروخٍ إيراني الصنع، البارجة الاسرائيلية «حانيت»، تقلّص احتمال الحرب على ايران وبدأ البحث عن بدائل. أحد العارفين جزم يومها بأن «فكرة الضربة ضد إيران قد انتهت»، رغم طبول الحرب التي كانت تقرع بصخب، والتعليل منطقي: حين ثبت أنّ صاروخاً من الترسانة الايرانية قادر على إصابة بارجة غربية حديثة، مزوّدة بوسائط الحماية والدفاع، فإن ذاك يعني أن كلّ الأسطول الأميركي في الخليج هو في خطر مشابه. هذه هي الاشارات التي تُنصت اليها قيادات الجيوش والمخابرات، وترسم على أساسها الخطط. وتجربة عسكرية على الأرض (كحرب لبنان عام 2006 و، قبلها، الصراع ضد أميركا في العراق) هي أصدق انباءً من آلاف المقالات والتحليلات الرغبوية.
بالمعنى التقني، قد يكون من المفيد قراءة الاتفاق على أساس التمييز بين البرنامج الايراني المدني والبرنامج النووي العسكري. التنازلات، و»الحدود الطوعية» التي التزمت بها إيران في المجال النووي، قد حُصرت في الشقّ العسكري، أي بما يضمن ألا يتمكن البرنامج من إنتاج بلوتونيوم ذي استعمال حربي، أو كميات من اليورانيوم تكفي لإنتاج قنابل نووية، أو أعداد من أجهزة الطرد المحوري تسمح بـ»وثبة نووية»، أي تخصيب ما يكفي من اليورانيوم لإنتاج قنبلة في أقل من عام.
أمّا البرنامج النووي «المدني»، فقد أصرّ المفاوضون على حمايته. ضمن اتفاق «الإطار» الذي تمّ إعلانه منذ أشهر، ظلّت نقاط عالقة ترتبط بالأبحاث النووية ونوعية أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران تطويرها (كان المفاوضون يصرّون على حصر التخصيب النووي الايراني بأجهزة الجيل الأول، IR1، وعدم تصنيع أو تصميم بدائل أكثر تطوّراً)، فأعطى اتفاق اليوم الايرانيين الحقّ في تطوير أجهزة الطرد من كلّ الأجيال، وصولاً الى IR8، خلال السنوات العشر القادمة، حتى تكون جاهزة لاستبدال التكنولوجيا الحالية مع نهاية المدة.
بل إنّ الاتفاق كفيلٌ بتعزيز البرنامج النووي، إذ إنّه يتضمّن بنوداً للتعاون التقني بين إيران والغرب في المجال المدني، ليس فقط بمعنى رفع العقوبات عن تصدير الأجهزة والتكنولوجيا، بل إنّه يعدّد مجموعة كبيرة من النشاطات البحثية والعلمية التي ستستفيد إيران فيها من معارف الغرب.
ستتمكّن إيران، بحسب الاتفاق، من بناء ما تشاءه من مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة السلمية، ويكون الوقود المستورد لتشغيل هذه المفاعلات خارج حدّ الـ300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب الذي يمكن لإيران الاحتفاظ به وتخزينه (الفائض سيتمّ بيعه في السوق الدولية بحسب الاتفاق).
بتعبير آخر، فإنّ البنية التحتية النووية الايرانية ــ باستثناء إنتاج البلوتونيوم وتدويره ــ ستظلّ مكتملة مع انقضاء البنود الأساسية للاتفاق بعد خمسة عشر عاماً، وهو ما حذّر منه الدبلوماسي الأميركي السابق دنيس روس، إذ نبّه إلى أن الاتفاق سيترك إيران، بعد أكثر من عقد، في وضعية «دولة على عتبة إنتاج القنبلة» (ويشرّع هذه الوضعية).
مقابل تجميد القدرات العسكرية النووية، يحصل الايرانيون على تنازلين أساسيّين، يحدّدان ــ فعلياً ــ الأهمية الاستراتيجية للاتفاق: أوّلاً، انه لن تكون هناك حربٌ غربية على إيران (لأي سبب، وبغض النظر عمّا يحصل في الساحة السياسية)، وثانياً، انه لن تكون هناك عقوبات على إيران (لأي سبب، بل إن الاتفاق يحوي بنوداً تمنع إعادة فرض العقوبات بصورٍ أخرى، ويطالب أميركا بالامتناع حتى عن الجهود الدبلوماسية والاقتصادية لتقليص مبيعات النفط الايراني ــ أي خارج إطار العقوبات).
في موازاة الالتزام بهذا الاتفاق، إذاً، تضمن إيران أن الغرب سيجرّد نفسه من السلاحين الفعليين اللذين يمكن أن يهدّد بهما طهران. وهذه الوقاية صارت مربوطة بالملف النووي، ومستدامة، وبضمانات، بغض النظر عن كلّ مجريات الساحة السياسية والتنافس الاقليمي. هذا، تحديداً، كان هدف المفاوضين الايرانيين منذ البداية، وأغلب النقاط التقنية التي يلتهي بتمحيصها المحللون ــ بحثاً عن غاية سياسية ما ــ نوافل ومناورات.
من الطبيعي أن يشعر بعض العرب، الذين جعلهم هوسهم الطائفي أدوات تراهن ــ حصراً ــ على ضربة أميركية لإيران، بالخيبة و»الخيانة»، فيهاجم (أدوات أميركا) طهران لأنها تتفاوض مع الأميركيين، أو يغوصون في تفاصيل الاتفاق لتبيان عمق «تنازلات» إيران (لو كان المفاوض نظاماً عربياً، كصدام أو القذافي أو غيرهما، لتخلى ببساطة عن كامل القطاع النووي، ولما سمعنا بتفاصيل وبنود). من الصعب والمؤلم أن تخسر ما في العالمين: الموقف المبدئي، ونظرتك الى نفسك، والنتيجة العملية في آن واحد. ولكن مشكلة هؤلاء، علينا أن نذكّرهم، هي مع أميركا، وليست مع إيران.