الأسلوب المثالي لإسرائيل من أجل تمرير اعتداءات مدروسة في توقيتها وأهدافها السياسية والردعية، مع ضمان أقل قدر من المخاطرة وردود الفعل، هو أن تتظلل بعناوين تقدّم بها اعتداءاتها على أنها عمليات وقائية واستباقية. فليس مصادفةً أن يسقط هذا العدد من الشهداء والجرحى في استهداف إسرائيل أحد أنفاق حركة «الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، وليس مصادفةً توقيت الهجوم السياسي، والأمر نفسه ينسحب على الأسلوب الذي اتبعته في تدمير هذا النفق (صواريخ بتقنية جديدة).


ما تقدم يدفع إلى التساؤل عن التوقيت الذي اكتشفت فيه إسرائيل النفق، وهل انتظرت توقيتاً يُمكِّنها من إسقاط هذا العدد من الشهداء وتوجيه رسالة سياسية قاسية تستثمر عبرها الرهان على المصالحة الفلسطينية الداخلية كعامل كابح للمقاومة عن الرد؟
القدر المتيقن هو أن النفق الذي استهدفه العدو، كما أكدت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، «لم يكن جاهزاً للاستخدام، بل كان في مرحلة الحفر». ووفق معلق الشؤون الأمنية لموقع «يديعوت أحرونوت» روني بن يشاي، كان «الجيش يعلم عن النفق من مدة قصيرة؛ لكن أُجِّل قرار ضربه حتى تغير الظروف السياسية في غزة، وذلك لمنع جولة تصعيد جديدة». تؤكد هذه المعطيات أن العدو تعمد في معالجة النفق اللجوء إلى تفجيره بما يؤدي إلى خسائر بشرية مؤلمة.


نفذ العدو جريمته
على «توقيت المصالحة الفلسطينية» كي يقيّد المقاومة

ولم يغب هذا البعد حتى عن كلام رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، خلال افتتاح جلسة كتلة «الليكود» أمس، عندما رأى أن الضربة الإسرائيلية تندرج ضمن قاعدة «من يمسّ بنا سنمسّ به».
يعني ذلك أن الاعتداء يأتي في إطار الردّ على حفر النفق، وليس ضمن «الخسائر الجانبية» خلال معالجة النفق، والأمر نفسه تكرر على لسان وزير الاستخبارات، يسرائيل كاتس، عندما أعلن أن «من سيهدد إسرائيل من الجو أو البر أو تحت الأرض، سيدفع كامل الثمن».
في البعد السياسي، من الواضح أن إسرائيل نفذت جريمتها على «توقيت المصالحة الفلسطينية». ويكشف ذلك عن أن صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب راهنوا على أن الظرف السياسي الفلسطيني الداخلي (المصالحة) قد يشكل قيداً على المقاومة، وتحديداً «الجهاد الإسلامي»، في الرد بما يتناسب على العدوان.
ويمكن التقدير أن إسرائيل ترى أنها نجحت في وضع فصائل المقاومة، بين خيارين: الأول الرد التناسبي المؤلم مع حجم الجريمة، وهو ما قد يترتب عنه مسار تصعيدي محتمل. وتكون إسرائيل قد نجحت بذلك في تقديم المصالحة كأنها عملية «تبييض» لواقع المقاومة. وهو ما ورد ضمناً في كلام وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، عندما أعلن أن «التفجير جرى في أراضينا، وهذا (حفر النفق) خرق للقواعد المتعارف عليها. ورغم المصالحة (الفلسطينية)، لا يزال قطاع غزة مملكة إرهاب». والخيار الثاني هو العضّ على الجراح من أجل المحافظة على المصالحة، والامتناع عن الرد الذي قد يؤدي إلى تصعيد يفجّرها. وفي كلتا الحالتين، تكون إسرائيل قد حققت أكثر من هدف في آن واحد.
وبهدف تعزيز الردع وتوسيع نطاق تدفيع الثمن، وجه نتنياهو رسالة تحذير إلى «حماس»، مؤكداً أنها «تتحمل المسؤولية، عن أي محاولة للمساس بسيادة إسرائيل»، وذلك بهدف دفعها إلى الضغط على «الجهاد الإسلامي» لثنيها عن الرد. وبما أن الاستهداف العسكري المباشر «غير المبرر» إقليمياً وأميركياً، سيضعها مباشرة في موقع من يعرقل المسار السياسي الفلسطيني الذي تدفعه القاهرة ومعسكر «الاعتدال العربي» مع موافقة أميركية عليه، قرروا في تل أبيب الالتفاف على هذه العقبة السياسية، عبر استهداف نفق هو من منظور إسرائيلي أحد أخطر الأسلحة المحدقة بأمن المستوطنات جنوبي فلسطين المحتلة. مع أن إعلامها أكد أن النفق لم يكن في طور الجهوزية.
على المستوى العملاني، تدرك إسرائيل أن حفر الأنفاق جزء من بناء الجهوزية. وهو كأي سلاح تحاول المقاومة الحصول عليه، أو تطويره. وتعزّز هذا الخيار في القطاع بعد الإنجازات التي حققها هذا التكتيك خلال الحرب الأخيرة التي شنّها العدو على غزة خلال عملية «الجرف الصامد» عام ٢٠١٤. ترجمة ذلك أن إسرائيل استهدفت جهوزية دفاعية وردعية للمقاومة، ولكن بطريقة مدروسة وهادفة على المستوى العسكري والبشري والسياسي. وضمن هذا الإطار، تكون إسرائيل قد هدفت أيضاً إلى توجيه رسالة ردع للمقاومة، وإلى محاولة رسم سقف عملاني كثمن للمصالحة عبر تحديد «شارة ثمن» لكل خطوة فلسطينية من هذا النوع، حتى لو كانت دفاعية وردعية.
عندما تبادر إسرائيل إلى إسقاط هذا الكمّ من الخسائر البشرية المؤلمة، من دون أن تكون في موقع الرد أو إحباط خطر وشيك، يعني أنها تعمدت الاعتداء من موقع المبادرة الابتدائية، ولغايات مرسومة مسبقاً. ولكنها احتاجت إلى أن تغلّف ذلك بعنوان أمني يحظى بإجماع داخلي، وتبرير سياسي إقليمي ودولي. وهو ما برز جلياً في بيان المتحدث باسم جيش العدو، رونن منليس، الذي ركز على ما وصفه بأنه «خرق واضح للسيادة الإسرائيلية، وهو أمر لا يمكن قبوله، وفي ضوء ذلك عمل الجيش»، مضيفاً أن ما حدث «جزء من الجهد الدفاعي الواسع الذي يقوم عليه الجيش منذ نهاية عملية الجرف الصلب».
مع ذلك، ينبغي القول إنه عندما يتناغم الخارج الإقليمي والدولي مع إسرائيل، فليس من موقع نجاح تل أبيب في تضليله، بل هو يدرك خلفياتها، ولكن كما هو دائماً، عندما يكون الخيار بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، يكون انحياز الدول العظمى الغربية وأتباعهم في المنطقة تلقائياً إلى جانب إسرائيل، وإن قرنوا ذلك بانتقادات ما لإسرائيل. وهذا ما سنلاحظه في حال ردّ المقاومة بالشدة نفسها على إسرائيل، إذ ستقدّم المقاومة كأنها وقعت في الفخ أو سبّبت في التصعيد... مع أن العكس هو الصحيح.
في ما يتعلق بأسلوب كشف النفق، برز حرص المسؤولين الإسرائيليين، ووسائل الإعلام العبرية، إضافة إلى بيان المتحدث باسم الجيش، على تقديمه كثمرة لتطور تكنولوجي مزعوم في مواجهة خطر الأنفاق. وتراهن إسرائيل على أن يؤدي الترويج لهذا المفهوم إلى ثني فصائل المقاومة عن مواصلة حفر الأنفاق ما دامت ستكشف بهذه الوسيلة. ولكن ماذا لو كان لدى فصائل المقاومة أنفاق أخرى لم تستطع هذه التكنولوجيا اكتشافها. فعندئذ سيكون الرهان الإسرائيلي عقيماً.
في كل الأحوال، وإدراكاً منه لحجم الجريمة التي ارتكبتها، عمد جيش العدو إلى رفع مستوى الجهوزية والاستعداد، وأعلن نشر بطارية قبة حديدية في جنوب فلسطين المحتلة و«غلاف غزة»، مؤكداً أنه مستعد لمواجهة أي تصعيد بنقل قوات قرب القطاع من عدة ألوية تابعة للمشاة والمدرعات، كذلك أعطى تعليمات للمستوطنين بالبقاء في المنازل. لكنه في الوقت نفسه وجّه رسائل بأنه غير معني بالتصعيد، وهو ما أعلنه مراسل القناة العاشرة، أور هيلر، إذ قال إن «إسرائيل توجهت إلى مصر طالبةً تدخلها لمنع حدوث تصعيد مع القطاع، لكون الحدث وقع داخل إسرائيل».