«أنشودة حب/ اسرائيل- فلسطين: قصة فرنسية» (ألان غريش وهيلين ألديغر ــ لا ديكوفيرت ــ باريس ـ 2017) كتابٌ وسلسلة رسوم هزليّة في آنٍ. سبق للرسّامة الفرنسيّة الموهوبة هيلين ألديغر، أن تطرقت إلى الانتفاضة التونسيّة عام 2011 ضمن سلسلة رسوم هزليّة نشرت عام 2014. كما وضعت رسوماً توضيحية لمقالاتٍ نشرت على موقع Orient XXI (مؤسسه آلان غريش) الذي يعدّ مرجعاً إعلاميّاً فرنكوفونياً حول الشرق الأوسط. «أنشودة حب» لألان غريش (رئيس التحرير السابق في جريدة Monde diplomatique) ليس الأول له حول القضيّة الفلسطينية. بالإضافة إلى كونه متخصّصاً بها، لطالما كان غريش داعماً للمطالب الوطنية الفلسطينية.

الكتاب الذي تطغى عليه ألوان الأحمر والأزرق، يعتبر محاولةً مشتركة لألديغر وغريش في تقفي تاريخ خمسين سنةٍ من العلاقات المتضاربة بين فرنسا بسلطاتها، ومثقفيها، والرأي العام من جهة، وإسرائيل وفلسطين من جهةٍ أخرى. ينطلق الكتاب منذ عام 1967 إبّان الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة.

في تلك الحقبة، كان المجتمع الفرنسي بغالبيته مؤيداً لإسرائيل لسببين وفق غريش: «أولاً التعاطف مع اليهود، بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية بما يزيد عن عشر سنواتٍ ونيّف، وذكرى المحرقة الإبادية الجماعيّة التي تثقل الضمائر». وقد لعبت «العنصريّة ضد العرب» دوراً مهمّاً أيضاً، خاصّةً أنّها بلغت ذروتها بعد خمس سنواتٍ من استقلال الجزائر» (ص 20).
في فرنسا، لم يكن للفلسطينيين أيّ اعتبارٍ، كما تمّت شيطنة الرئيس جمال عبد النّاصر. مع ذلك، ظهرت أصوات معارضة لسياسة إسرائيل العدائية، وكان الحزب الشيوعي الفرنسي في طليعتها. تبعته المجلة الأسبوعيّة «الشهادة المسيحيّة»، بالإضافة إلى عددٍ قليلٍ من المثقفين. مثلاً، نشر مكسيم رودنسون في ربيع 1967، مقالاً في مجلة Les Temps modernes التي كان يشرف عليها جان- بول سارتر، بعنوان «إسرائيل: واقع استعماري». ثمّ انضمّ الجنرال ديغول إلى قائمة المعارضين. بعد انتهاء الحرب في الجزائر عام 1962، كثّف الرئيس الفرنسي النشاط الدبلوماسي مع الدول العربيّة (ص45)، فكانت الزيارات التي قام بها لباريس كلٌّ من الرئيس اللبناني شارل الحلو، والمشير عبد الحكيم عامر نائب الرئيس المصري، خلال السنوات التي سبقت حرب 1967. في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967، أدان ديغول ــ في مؤتمر صحافي عقد في قصر الإليزيه ــ السياسة الإسرائيليّة «التي تمارس على الأراضي التي استولت عليها، احتلالاً، والذي لا يمكن له أن يستمر دون ممارسة القهر، القمع والتشريد» (ص50).


يذكّر الكتاب بأنّ فرنسا لم تكن دوماً منحازة إلى إسرائيل

بعد ذلك، بدأت فرنسا بالانفتاح على الفلسطينيين، كما يذكر غريش وألديغر في الفصل الثاني. بدأت شبكات التضامن مع فلسطين بالتبلور. ومنذ 1969، أطلق محمود الهمشري ممثّل منظمة التحرير الفلسطينيّة في باريس مجلّة بالفرنسيّة باسم «فدائيين»، وشرع بالعمل مع الماوييّن في اليسار البروليتاري، في الوقت الذي طوّر فيه اتصالاته مع الدبلوماسيّين الفرنسيين، قبل أن يغتاله الموساد عام 1973. أمّا أنصار الديغوليّة أمثال لوي تيرينوار ولوسيان بيترلان، فقد أسسوا عام 1967 «جمعية التضامن الفرنسي-العربي» (ASFA). كما رعى الحزب الشيوعي الفرنسي إنشاء «جمعية فرنسا-فلسطين» في كانون الثاني (يناير) 1979. بعد ذلك، حدث تحوّل في الرأي العام الفرنسي، إذ أصبح أقلّ اقتناعاً بالرأي الإسرائيلي: القصف الإسرائيلي لبيروت في صيف 1982، ومجزرتا صبرا وشاتيلا صدما الرأي العام. ويعتبر النّص الذي كتبه جان جينيه «أربع ساعاتٍ في شاتيلا» من أبرز النّصوص التي عبرت عن هذه الصدمة. حتى الرئيس فرنسوا ميتران المعروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل، «قام في شهر آب بالتفاوض على الانسحاب من بيروت تكريماً للمقاتلين الفلسطينيّين» (ص120). في المقابل، قامت اللوبيات الإسرائيلية في فرنسا بردات فعل منظّمة تجاه هذا الهجوم على إسرائيل، وكانوا هم أيضاً من المثقفين، أمثال الفلاسفة برنار هنري- ليفي، وآلان فينكيلكروت وباسكال بروكنر الذين سارعوا منذ عام 1980 إلى إطلاق الدعوات لإنقاذ إسرائيل.
في تشرين الأول (أكتوبر) 1996، تكلّلت زيارة جاك شيراك للقدس بالنّجاح: أول رئيس دولة في العالم يخاطب المجلس التشريعي الفلسطيني. ما رفع رصيده بين الفلسطينيين هو انخراطه في مشادّة كلاميّة مع الجنود الإسرائيليين في البلدة القديمة في القدس المحتلّة.
استطاعت الانتفاضة الثانية في أيار (مايو) 2000 استقطاب الجمهور الفرنسي، وقد احتشد في نيسان (أبريل) خلال عملية السور الواقي عشرات الآلاف في مسيرة لدعم الفلسطينيّين. ولكنّ هذا الأمر ترافق مع تصاعد مساعي المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهوديّة في فرنسا (CRIF)، من أجل مساواة معاداة الصهيونيّة بمعاداة السّاميّة. وقد شهدت السياسة الفرنسيّة خلال الفترات الرّئاسيّة لنيكولا ساركوزي وفرنسوا أولاند، نموّاً متصاعداً في العلاقة الوديّة مع إسرائيل اتسمت بالازدواجية: ففي حين طالبت فرنسا بإطلاق سراح جلعاد شاليط الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حماس عام 2006 في غزة، تجاهلت لوقتٍ طويل مصير صلاح حموري الفرنسي- الفلسطيني المسجون لدى إسرائيل منذ عام 2005. «جاء تدخل السلطات الفرنسيّة متأخراً، في حين اختارت وسائل الإعلام، بمجملها، الصمت» (ص 179). ومن المرجّح أن سياسة إيمانويل ماكرون المنتخب في أيار (مايو) 2017، ستكون أيضاً مؤيدة لإسرائيل على نهج سلَفَيه.
منذ خمسين عاماً والقضية الفلسطينيّة تقسم المجتمع الفرنسي. لكنّ عمل ألديغر وغريش يميّز بين فترتين زمنيتين: منذ عام 1967 حتى منتصف 2000، بقي التعاطف مع الشعب الفلسطيني آخذاً في الازدياد. لكن منذ سنوات، بدأ يحدث العكس: لقد حافظ الفلسطينيون على تأييد جزء من الرأي العام الفرنسي، ولكنّ السلطات الفرنسيّة استطاعت أن تجعل من انتقاد اسرائيل في فرنسا أمراً صعباً. ما هي إذاً أنشودة الحب التي يشير إليها عنوان هذا الكتاب؟ هل هي تلك الأغنية التي وعد بها أولاند بنيامين نتنياهو في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013؟ قال يومها بأنّه «سوف يجد دائماً أنشودة حبٍ لاسرائيل وقادتها» (ص3). تلك هما الحقبتان الزمنيتان إذاً: حقبة أولاند وحقبة ديغول. اليوم، تمّ تجريم الحملة المدنية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية في فرنسا. بالأمس، حدث العكس. ففي 28 كانون الأول (ديسمبر) 1968 وبعد الهجوم الاسرائيلي على لبنان، اتخذ ديغول قراراً لا يمكن تصور حدوثه اليوم حين أعلن الحظر الفرنسي على الأسلحة الاسرائيلية.
* باحث في العلوم السياسيّة

آلان غريش يوقع كتابه: الخميس 9 تشرين الثاني - س: 20:30