أعادت مئوية وعد بلفور التذكير بحقيقة الدور الوظيفي للكيان الإسرائيلي، وأنه وليد الاستعمار الغربي وأداة من أدواته، في معركة الهيمنة على المنطقة. في البعد الصهيوني، جسَّد وعد بلفور، رهان المؤسسين الأوائل للحركة الصهيونية، انطلاقاً من إدراكهم لحقيقة أنّ لا أفق لمشروعهم في إقامة كيانهم على أرض فلسطين، وطرد شعبها، من دون احتضان ودعم مباشر من إحدى الدول الاستعمارية الفاعلة، على الأقل.


استناداً إلى هذه الرؤية، تركزت مساعي المؤسسين الأوائل للحركة الصهيونية، بدءاً من تيودور هرتسل على فتح خطوط اتصال مع الدول العظمى آنذاك، لتحقيق هذه الغاية. واستمرت مع بن غوريون مؤسس الكيان الإسرائيلي، الذي اعتبر التحالف الاستراتيجي مع دولة عظمى، ركناً أساسياً في الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى، لضمان بقائها وأمنها وانتصارها، وصولاً إلى نتنياهو الذي وصف إسرائيل، خلال زيارته حاملة الطائرات الأميركية «جورج وو بوش»، التي رست قبالة سواحل حيفا، على أنها «حاملة طائرات عظيمة أخرى»، مقارناً بين الدور المتطابق الذي يلعبه كل منهما (موقع مكتب رئيس الحكومة الاسرائيلية (3/7/2017)).
لم يكن الموقف الذي تضمنته رسالة وزير الخارجية البريطانية، آرثر جيمس بلفور، قبل مئة عام، إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية، اللورد روتشيلد، في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، إلا تعبيراً عن الهدف السياسي المباشر لاحتلال فلسطين. ولم تتأخر بريطانيا في ترجمته عملياً، انسجاماً مع ما ورد في الرسالة نفسها، عن الدور الذي ستلعبه قوات الاحتلال البريطانية في فلسطين، في تحقيق الحلم الصهيوني «إن حكومة صاحب الجلالة... وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية».
صحيح أن الصدارة في تحقيق المشروع الصهيوني تبقى لوعد بلفور، الذي شكل أول وثيقة دولية، تؤسس لـ «حق اليهود» بـ «وطن قومي» على أرض فلسطين، وعلى حساب شعبها... قبل أن تقر عصبة الأمم لاحقاً على أن فلسطين جزء من الانتداب البريطاني. لكن نجاح هذا المشروع الصهيوني، كان مديناً أيضاً لمحطات أخرى تلته، تحولت كل منها إلى منعطف تأسيسي إضافي، وقفزة على طريق تحقيق المشروع الاستعماري الغربي في المنطقة. ومن دونها ما كان للمشروع الصهيوني أن يبلغ ما بلغه على أرض فلسطين. المحطة التأسيسية الأبرز التي تلت وعد بلفور كان قرار التقسيم (رقم 181)، الذي وفر الغطاء الدولي لتحويل المستعمرة الصهيونية إلى كيان دولتي على حساب شعب فلسطين. لكن قبله وبعده، تبقى حقيقة أن كل هذا المسار الاستعماري بوجهيه الصهيوني والغربي، ما كان لينجح لولا الواقع العربي آنذاك، وهو أكثر ما ظهر جلياً خلال حرب عام 1948.
لم تجد رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، ما يدفعها للتردد في التعبير أمام برلمانها، (25/10/2017)، عن فخرها إزاء «الدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل، ونحن بالتأكيد سنحتفل بهذه الذكرى المئوية بفخر». فهي ترى أنها تحتفل بالدور البريطاني التأسيسي للكيان الذي تضفي عليه أنظمة عربية وسلطة فلسطينية، المشروعية. فيما ينتظر آخرون، وعلى رأسهم النظام السعودي، دورهم في الصف لنسج تحالفات علنية معه على أساس المصالح المشتركة.


للوهلة الأولى، يتعارض
«القلق الوجودي» مع بيئة إسرائيل الإقليمية

مع ذلك، الطابع الاحتفالي لمئوية وعد بلفور، في العاصمة البريطانية، والتي قطع نتنياهو من أجل المشاركة فيها آلاف الأميال، لم يتمكن من إخفاء قلقه الوجودي الذي عبر عنه قبل أقل من شهر، في ندوة مغلقة، تسربت إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية. فقد كشف نتنياهو خلالها، عن قلقه من عدم ضمان الاحتفال بمئوية إسرائيل، بعد ثلاثة عقود، لافتاً إلى أن «مملكة الحشمونائيم» (مملكة يهودية كانت نهايتها مع غزو المنطقة من قبل الإمبراطورية الرومانية قبل نحو قرنين من الميلاد) نجت فقط لمدة 80 عاماً، وأنه يعمل على «ضمان أن تنجح دولة إسرائيل هذه المرة في الوصول إلى 100 سنة»، موضحاً أن وجود إسرائيل ليس بديهياً.
خصوصية موقف نتنياهو، تنبع من اجتماع مزايا عدة في آن. فقد أدلى به بعيداً عن وسائل الإعلام، لكن أحد الحضور سربه الى صحيفة «هآرتس» (10/10/2017). وأكد صحته مكتبه من خلال تبريره، بالقول إن «رئيس الحكومة يكرس معظم وقته للمسائل الأمنية، من أجل ضمان أمن إسرائيل ووجودها وأن المشاكل الأمنية لم تنته بعد.
مع ذلك، تجدر الإشارة الى أن نتنياهو لم يتحدث عن تهديد وجودي مباشر وفوري. وإنما رأى أن بقاء إسرائيل ليس مسلماً، ويبذل جهوده لضمان بقائها لمدة 30 عاماً إضافية. وبالتالي، هو تحدث عن مسار قائم، يخشى مفاعيل استمراره وتصاعده، على وجود إسرائيل في المستقبل.
للوهلة الأولى، يتعارض هذا القلق الوجودي مع البيئة الإقليمية التي تتمتع بها اسرائيل، بعد تحييد تهديد الجيوش النظامية المحيطة بها، بأساليب متعددة. في الجنوب (مصر) والشرق (الأردن)، تم ذلك عبر معاهدتي كامب ديفيد ووادي عربة. وفي الشمال، تم استنزاف الدولة والجيش في سوريا، والأمر نفسه ينطبق على العراق. أما بخصوص لبنان، فإن دولته لا تملك بالأساس القدرات التي تجعلها تشكل تهديداً استراتيجياً على اسرائيل. ومما يفترض أيضاً، أن يعزز الثقة بأمن إسرائيل ومستقبلها، هرولة من تبقى من معسكر الاعتدال العربي، وعلى رأسهم النظام السعودي الذي سيجر وراءه كثيرين للتحالف مع إسرائيل.
مع كل ذلك، ما تقدم ليس تحليلاً لمسؤول في محور المقاومة، ولا يستند إلى ما ورد على لسان أحد القادة «الدينيين» اليهود الذي يستشرفون المستقبل في ضوء ما ورد لديهم من روايات دينية عن مستقبل إسرائيل، إنما مواقف صريحة أدلى بها نتنياهو من موقعه كرئيس للوزراء، أي من موقع المطلع على التقارير والتقديرات السرية لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وهو ما يؤكد الارتباط الوثيق بين هذا القلق الوجودي، وبين التطورات التي تشهدها نفس هذه البيئة الاقليمية.
إن محاولة استشراف التهديدات المحدقة باسرائيل، وتحديد درجة خطورتها على أمنها القومي ووجودها، هو من مهمات أجهزة مختصة محددة، تحاول تقدير مسار التطورات التي تشهدها بيئتها الاقليمية، وما تحمله من تهديدات وفرص. لذلك، فإن القدر المتيقن مما كشفه نتنياهو هو خلاصة تقدير استراتيجي يستند الى معطيات وتقديرات هذه الأجهزة المختصة. ومن المؤكد أنها تواكب مفاعيل فشل الرهانات الاسرائيلية في ضوء التطورات التي شهدتها وتشهدها الساحات السورية والعراقية واللبنانية.
اللافت أن كلام نتنياهو أتى ايضاً بعد نحو عشرة ايام من رسالة التهديد – الردعي، التي وجهها أمين عام حزب الله السيد نصر الله في خطاب العاشر من محرم، عندما دعا الجمهور اليهودي في الكيان الاسرائيلي، في حال تورطت حكومته في حماقة شن حرب ضد حزب الله، إلى «المغادرة والعودة إلى البلدان التي جاؤوا منها... لأن نتنياهو إذا شنّ حرباً في هذه المنطقة قد لا يكون لدى هؤلاء وقت حتى لمغادرة فلسطين، ولن يكون لهم أي مكان آمن في فلسطين المحتلة». ومن المؤكد أنه من الصعب فصل هذا المستوى من التهديد عما شهدته وتشهده الساحة الاقليمية من انتصارات مدوية لمحور المقاومة.
وحتى لا نقع في فخ التفسيرات السطحية التي تنسب كل موقف من هذا النوع الى تجاذبات داخلية، يكفي أن نستحضر ما تم الكشف عن تقديرات الاجهزة الاستخبارية والعسكرية المهنية، والتي تعزز موقف نتنياهو، وتؤكد أنها تستند الى تقديرات أجهزة مهنية، وليست مواقف شاذة في الواقع الاسرائيلي. فقد حذر الموساد في تقرير قدمه أمام الحكومة الاسرائيلية، قبل نحو ثلاثة أشهر من قلق نتنياهو الوجودي، من أن التهديد الإيراني الإقليمي «من شأنه أن يتعاظم بعد الاتفاق النووي»، مؤكداً أن «المنطقة تتغير في غير مصلحتنا». ودعا الى ضرورة أن تكون «المهمة الاولى» للحكومة الاسرائيلية الى استمرار تدفق قوات محور المقاومة الى سوريا، مشدداً على أن ذلك يتقدم على أي تهديد آخر. وأوضح رئيس الموساد، يوسي كوهين، ذلك بالقول أن «الأمر الأكبر» بالنسبة إلى إسرائيل هو «الهلال الشيعي الذي تشكّل بدءاً من إيران مروراً ببغداد ودمشق وصولاً إلى لبنان». تقدير مشابه، صدر على لسان رئيس أركان الجيش غادي ايزنكوت، عشية عيد رأس السنة العبرية، تعليقاً على التطورات الميدانية التي شهدتها الساحة السورية لصالح محور المقاومة، بالقول إنّ «التطورات السورية خطيرة جداً»، إضافة الى تصريحات وزير الامن الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان بأننا «نواجه شرق أوسط أسوأ بكثير من الشرق الاوسط القديم». هذا مع الاشارة الى الخطورة الكبيرة جداً التي تنظر بها المؤسستان السياسية والامنية في اسرائيل، لمفاعيل التواصل الجغرافي بين أطراف محور المقاومة في كل من لبنان وسوريا والعراق مع الجمهورية الاسلامية في إيران.