يستقبلنا «الرفيق» فوّاز الطرابلسي في بيته الواقع على بُعد أمتار من مقر الحزب الشيوعي اللبناني في منطقة الوتوات من أجل الحديث عن الترجمة الفرنسية (دار أكت سود ــ شرق الكتاب) لكتابه «حديد وحرير ـــ من جبل لبنان إلى قناة السويس» (2013- الريّس). نمازحه حول عجزه عن فك ارتباطه بالحزب إلى اليوم، كأنه لا يقدر ابتعاداً عنه. يبتسم.


نقبض على سياق الحديث نفسه، لنسأله: «ما علاقة الحرير بالحديد؟». نقصد العلاقة بين الفقراء والأغنياء. في فاتحة الكتاب، قصة عن المرأة التي صاحت «فقّسوا، فقّسوا» اي دودة الحرير. وقد قامت بفكّ أزرار قميصها بسرعة «وانزلق بصرها إلى ما بين النهدين» وقد «أبصرت الدويدات البيض تمور داخله». في الوقت نفسه، كانت تقاوم رغبة كبيرة داخلها «أن تمسك نهديها المنتصبين وتدلكهما دلكاً لإدامة تلك اللذة الغامضة أو لإطفائها».
يبتسم مرة أُخرى ليقول لنا: «هي حادثة حقيقية، كن يفعلنها. لا علاقة للأمر بين فقراء وأغنياء، لكن أنا أخذت العنوان بعد مراجعة. بعد مناقشة مع إدارة النشر، وقع الاختيار على «حرير وحديد» وأنا أخذته من فكرة أوليّة، علاقة حرير جبل لبنان والأدوات الحديدية الضخمة التي ستحفر قناة السويس». ويضيف مقولة للأمير عبد القادر الجزائري حين قرر التعاون مع «الكفار الفرنساويين»، إذ قال وقتها «إن الحياة حرير وحديد».
يقول طرابلسي: «من هنا وقع الاختيار النهائي لعنوان الكتاب بلغته الأصلية بعدما تجاوزنا تسميته بـ «الحوليات». ولعل هذه مشكلة أُخرى ستواجه الكتاب عند تحويله إلى لغة أُخرى. فتسمية «حوليات» ما زالت عصية على الترجمة في عقل ناشرين غربيين حيث يصعب تفكيك هذه المفردة في قاموسهم» (الترجمة الانكليزية للكتاب صارت ناجزة وما زالت تبحث عن ناشر).
في هذا السياق المُعاكس، نسأل صاحب «وعود عدن- رحلات يمنية» (2000) عن سهولة وجود ناشر فرنسي ما دام العنوان ومحتوى الكتاب نفسه محل إشكالية. يجيبنا: «هو الرفيق فرانك ميرمييه الذي رشّح الكتاب للترجمة (قامت بها الباحثتان ماريان بابو وناتالي بونتان) وهو الذي ذهب بها إلى دار فرنسية. لكنها أقفلت أبوابها لأسباب اقتصادية». حينذاك، كانت «دار أكت سود» ومشرفها فاروق مردم بك هي الطريق الأخير وقد صدر عنها. وعند سؤال المحاضر اللبناني في الجامعة الاميركية عن صعوبة عدم وضعه تصنيفاً على كتابه، يقول لنا إن هذا الكتاب مجموعة من الأشياء التي خرجت خلال أبحاثه لإنجاز كتاب «تاريخ لبنان الحديث» (2011). ويوضح: «إنّه نتاج الفائض من الشغل بمعنى التوسع الذي يُدخلك فيه اجتهادك وأنت تبحث في مسألة ما، فيدخلك في مسألة أخرى وهكذا. هي مسألة التوسع في الشغل لا أكثر ولا أقل». ويقول: «في كل مرة كنت أكتشف أحداثاً وشخصيات وعلاقات ومسارات مع كل ورقة كنت أقرأها، لتطلع مسارات أُخرى أكثر غرابة: مثلاً أن يلتقي أحمد فارس الشدياق بالأمير عبد القادر الجزائري ويمدحه. الأمير نفسه يأتي ويعمل دعاية لفردينان دو ليسيبس ويروّج لقناة السويس ويمنحه أراضي على القناة نفسها، ثم يتبناه نابليون الثالث، ومن خلاله يعمل على إنشاء إمارات في السلطنة، وكلها علاقات ستصل إلى سايكس بيكو».
من هنا نعاود سؤال صاحب «عن أمل لا شفاء منه، دفاتر حصار بيروت» (1982)، عن مسألة السيرة. هل يمكن اعتبار الكتاب سيرة شخصية؟ يرد سريعاً: «هذا تاريخ وليس فيه شأن شخصي». نعاود السؤال: لكن السيرة الذاتية لم تعد شأناً شخصياً، نحن نقوم برواية الأحداث التي تعنينا ونقبض عليها من أي سياق تاريخي ونقوم بتقويلها ما نود مع احترامنا للوقائع التاريخية ذاتها. يبتسم مرة أخيرة ويقول: «تلك اللغة الأدبية التي حملها الكتاب هي ما جعلت القارئ يعتقد هذا الشيء، وأنا لا أستحي من هذه اللغة الأدبية التي اعتمدت عليها في إنجاز الكتاب».

طاولة مستديرة حول كتاب «حرير وحديد» مع فواز طرابلسي وجيلبير أشقر، والياس خوري، بإدارة فاروق مردم بك: 9/11 ــــ س:18:00 ـ صالة المؤتمرات 1