«وجهُكَ يا غربُ مات…» ــ أدونيس



اللورد رودريغ بلفور حفيد الجيل الثالث، نادم على الوعد المشؤوم الذي قطعه عم أبيه للجالية اليهوديّة في بريطانيا، قبل قرن، وجرّ الويلات والخراب على شعب فلسطين وكل العرب، بل على العالم بأسره، وما زالت آثاره الكارثيّة تتفاقم إلى اليوم. ذلك الوعد «التصق كلطخة عار بسمعة العائلة»، كما صرّح بلفور الأصغر لوكالة «فرانس برس» قبل أيّام في لندن.

أما تيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، فلا تشعر بالعار. هذه المناسبة، هي بالنسبة إليها مدعاة للفخر، ومناسبة للإحتفال. لا شكّ في أن «المصدوم الأكبر» من هذا الموقف هو «أبو مازن» رئيس السلطة الفلسطينيّة! فعلى طوباويّته المعهودة كان «مهندس أوسلو» بطل التنسيق الأمني مع المحتل الاسرائيلي، يتوقّع من حكومة صاحبة الجلالة أن تستجيب لطلبه بالاعتذار عن «وعد بلفور». الفنان بانكسي استجاب لطلب الرئيس. لبس قناع الملكة، واعتذر الى مجموعة من الاطفال الفلسطينيين، وسط احتفالية هاذية عند جدار الفصل العنصري الذي كتب عليه عبارة Sorry. لكن ذلك لم يكن كافياً لتهدئة القائد الوطني الصنديد، فهو يتهدد الآن بريطانيا، ويريد أن يقاضيها على جريمتها. لضرورات المسرحية الميلودراميّة صفّقوا، وتظاهروا أنّكم صدّقتم. لا تقولوا له إن مكانه الفعلي كان يجب أن يكون، أوّل من أمس، في «لانكستر هاوس»، بين ضيوف المأدبة التي أقامتها تيريزا ماي على شرف حليفها الغالي رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، احتفالاً بالمناسبة السعيدة! كانت الملهاة تحتاج إلى بعض الكومبارس العرب، من الرئيس محمود عبّاس، إلى حاكم الأمر الواقع في مملكة القهر والانحطاط، السائر على خطى جدّه الأوّل الذي باع فلسطين وتآمر على ثورتها مقابل عرشه. لكن لم تكتمل الفرحة. نراكم جميعاً في المأدبة المقبلة.
في تلك الأثناء، في مكان آخر من العالم، هو بيروت، كان بطريرك الموارنة في إنطاكيا وسائر المشرق، غبطة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المعروف بتحلّيه بوعي قومي عال، قد اختار تلك المناسبة الفظيعة بالذات، ليكشف لنا عن وطنيّته ورؤيويّته. لقد أبدع البطرك، بتحريض من محاوره العبقري على محطّة «وطنيّة». أبدع في الترويج للتطبيع مع العدو تحت غطاء «الحج»، وفي استسهال «السلام مع إسرائيل» لولا أن لبنان رهينة الوصايات الاقليميّة، وفي التبرير لعملاء إسرائيل الذين أخذتهم «حكمتهم الرفيعة» إلى الكيان الغاصب، بعد تحرير الجنوب اللبناني، لينجّوا لبنان من «مجزرة» سترتكب بحقّهم مثل «مسيحيي الجبل». من كان سيذبحهم؟ ولو؟! المقاومون «الهمج». طبعاً قمنا هنا بترجمة الأفكار البطريركيّة لاستخلاص نسغها. بأية حال، فإن غبطته منشغل هذه الأيّام بالتحضير لرحلة «حج» من نوع آخر. سيحجّ إلى ربوع مملكة آل سعود، بعدما بات هؤلاء ــ بسحر ساحر ــ يتساهلون مع النساء «السائقات» والنصارى «الكفّار»…
لكن شهود الزور يأتون اليوم في مرتبة ثانويّة. في الذكرى المئويّة لوعد بلفور، نعيد اكتشاف ما نعرفه جيّداً. إن نكبة فلسطين جريمة استعماريّة، أوّلاً وأخيراً. وإن المسؤول عن مآسينا، على امتداد هذا التاريخ الدامي، المزروع بالخراب والموت والاقتلاع، ليس إلا الديمقراطيّات الغربيّة التي ما تزال تحمي إسرائيل وتدعمها بكل الوسائل، وتغسل جرائمها. وعد بلفور هذه «الخطيئة الأصليّة»، مصدر كل مآسينا نحن العرب، يجب أن نحاسب عليها بريطانيا أوّلاً، وهي تحثّنا على ذلك إذ تعيد تبنّي الجريمة مع سبق الإصرار، بلا أدنى ندم. الغرب الاستعماري هو عدوّنا الفعلي، حتى إشعار آخر. حتّى يتطهّر من ذنوبه، ويكفّر عن جرائمه. من مواطنين مندمجين في مجتمعاتهم حوّلت بريطانيا اليهود «شعباً بلا أرض»، وزرعتهم حرّاساً للمصالح الاستعماريّة في «أرض بلا شعب» على أبواب الصحراء، في مكان «غامض» اسمه فلسطين، بات «أرض الميعاد».
لنتذكّر أيضاً أن تلك الجريمة التأسيسيّة التي تختصرها رسالة معلّقة فوق جدار المدفأة، في بيت اللورد النادم في لندن، هي وليدة نزعة عنصريّة وعرقيّة ولاساميّة فظيعة بالدرجة الأولى. لقد ضاقت أوروبا باليهود وسعت إلى التخلّص «من عبئهم»، قبل أن يذهب هتلر بالفكرة نفسها إلى ذروة «البربريّة» مع «الحل النهائي». اللاساميّة جريمة غربيّة، ونكبة فلسطين كذلك. إنهما متساويتان في البشاعة.