لا يريد الرئيس الأميركي باراك أوباما شيئاً، الآن، غير إمرار الاتفاق النووي في الكونغرس. يترقّب معركة صعبة هو من أشد العارفين أنه قد بدأ بخوضها، بالفعل، وأن ما شهده في هذا الإطار قبل الاتفاق لم يكن إلا تمهيداً لما سيأتي بعده، خصوصاً بوجود حلفاء مشككين، مثل الزعماء الخليجيين، وآخرين متربصين، مثل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. لكن أوباما لن يألو جهداً لمنع تلطيخ «إرثه» السياسي، المتبلور، بشائبة قد تسببها عوامل خارجية مستغلة أرضية داخلية خصبة، ومنتهجة حرباً من نوع آخر، سِمتها التهويل الكلامي والإعلامي.


لذا، بدأ بالمقابل حربه الاستباقية، يوم إعلان الاتفاق، حين حطّ خطوته الأولى المتمثلة في الوعيد والتحذير تجاه أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين يهدّدون بعرقلة الاتفاق، لكنها تحوّلت إلى استرضاء ولغة «حب ومحبة» بمجرّد توجهها إلى الخارج. هو مستعد لفعل أي شيء ليبعد الناقدين عن طريقه، وما قاله لتوماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز»، في مقابلة نشرت في وقت متأخر من مساء أول من أمس، وفي مؤتمر صحافي أمس، يشي بما يمكن أن يذهب إليه من أجل استعطاء «النجاح الباهر»، بعدما حقق النجاح الدبلوماسي في إتمام الاتفاق النووي.


أوباما: من المهم أن
تكون إيران جزءاً من الحل
في سوريا

بدأ يوم أوباما، الثلاثاء، باكراً بتوقيت واشنطن، اضطرّ إلى ضبط ساعته على الدقيقة النووية. استيقظ وخاطب الأمة والعالم، أشاد بالاتفاق وحذر الداخل من عرقلته وطمأن الحلفاء. بعدها أجرى اتصالات هاتفية وطمأن الحلفاء، تلا ذلك مقابلة مع فريدمان، حيث حذر الداخل وأشاد بالاتفاق و«بمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية»... وأيضاً طمأن الحلفاء، ثم عقد مؤتمراً صحافياً، أمس، حيث أدى الواجب ذاته في سبيل «طمأنة الحلفاء».
على الجبهة الإعلامية والخطابية، بدأت الطمأنة تتحوّل إلى استرضاء. قد يراها البعض نوعاً من الدبلوماسية، لكن ذلك لا يمنع من أن ينظر إليها آخرون على أنها استماتة. رغم إشارته في المقابلة، إلى أن محاولات نتنياهو لعرقلة الاتفاق النووي ــ بالضغط على الكونغرس ــ ستبوء بالفشل، إلا أنه وعده بمناقشة كيفية منع «حزب الله» من الحصول على أسلحة، لكن بعد مرور الاتفاق النووي في الكونغرس. وقد لا تدخل زيارة وزير دفاعه آشتون كارتر المرتقبة إلى إسرائيل، إلا في هذا السياق.
أوباما اتصل بنتنياهو على الهاتف مباشرة قبل المقابلة. وهو لم يحاول تلطيف الخلافات، بحسب فريدمان، ولكنه لمّح إلى أن «إدارته تنظر في تحقيق تحسينات مهمة تجاه حلفائها في إسرائيل والخليج». وهو إذ قال: «لا أظن أنّ من المناسب مناقشة تفاصيل أي اتفاق أمني أو العمل الذي يمكن أن نقوم به»، لكنه أشار إلى أن «العملية على المسار».
الرئيس الأميركي قال إن «نتنياهو يعتقد أنه يمكن أن يزيد التأثير على الجدل الدائر في الكونغرس، وأنا على ثقة بأننا قادرون على دعم هذه الصفقة وتنفيذها دون أن يمنعها الكونغرس»، ولكنه أضاف: «بعد أن يتم ذلك، إذا كان هذا ما يراه مناسباً، سنتناقش كعهدنا دوماً، ثم نطرح بعض الأسئلة العملية جداً: كيف يمكننا منع حزب الله من الحصول على أسلحة أكثر تطوراً؟ كيف نبني على نجاح القبة الحديدية، التي عملت الولايات المتحدة مع إسرائيل على تطويرها، والتي أنقذت أرواحاً إسرائيلية؟». إذاً، بأسلوب مبطّن مرّر رسالة إلى نتنياهو مفادها: «دعه يمرّ، ثمّ نفعل ما تشاء».
وفي المؤتمر الصحافي، أمس، تطرّق إلى النقطة ذاتها، قائلاً إنه قد يكون بمقدور إيران الدفع بمزيد من الموارد باتجاه مساعدة «حزب الله»، ليرد بعدها على سؤال: «هل يتعين علينا الدفع بموارد لمنعها من إيصال تلك المساعدات لحزب الله؟» بـ«نعم» جازمة.
لكن المؤتمر الصحافي تميّز بإضافة أخرى، هي أن لإيران دوراً في إنهاء الحرب الدامية في سوريا، معتبراً أنه لا يوجد حلّ عسكري للنزاع هناك. وقال: «أعتقد أنّ من المهم أن يكونوا (الإيرانيون) جزءاً من هذا»، مضيفاً في السياق ذاته أن «المشاكل في سوريا لن تحل من دون مشاركة الروس والأتراك والشركاء الخليجيين».
في المقابلة مع «نيويورك تايمز» التي دامت 45 دقيقة، رفض أوباما الانتقادات بشأن عدم تناول الاتفاق النووي نشاطات إيران السياسية الخارجية، ودأب على تكرار حجة واحدة: «لا تحكموا عليّ بناءً على ما إذا كان هذا الاتفاق قادراً على تغيير إيران، وإيقاف تصرفاتها العدائية تجاه بعض حلفائنا العرب، احكموا عليّ بناءً على شيء واحد: هل سيؤدي هذا الاتفاق إلى منع إيران من امتلاك قنبلة نووية خلال السنوات العشر المقبلة؟ وهل سيعود بنتائج أفضل على الولايات المتحدة، على إسرائيل والحلفاء العرب، إذا ما جرت مقارنته بأي بديل على الطاولة؟».
وفي الاستفاضة في التعليل، أضاف: «معيارنا الوحيد الذي نحكم به على هذه الصفقة، هو عدم حصول طهران على سلاح نووي، فالمقدمة المنطقية الأصلية لهذه المناقشة هي عدم إمكانية حصول إيران على سلاح نووي، وسنكون قادرين على تحقيق ذلك من خلال التعاون الكامل من جانب المجتمع الدولي، ومن دون الحاجة إلى الدخول في حرب أخرى في الشرق الأوسط».

معيارنا الوحيد للحكم على هذه الصفقة هو عدم حصول طهران على سلاح نووي

في مكان آخر من المقابلة، أشار أوباما إلى أن «السبب الذي مكننا من جمع المجتمع الدولي حول إقامة نظام العقوبات الأكثر فعالية، أدى إلى زعزعة الاقتصاد الإيراني وأحضارهم إلى طاولة (المفاوضات)، كان لأن العالم اتفق معنا على أنه سيكون هناك خطر أكبر على المنطقة، على حلفائنا، على العالم، إذا ما أكملت إيران باتجاه الحصول على سلاح نووي».
وبعدما قارب الاتفاق من خلال التطرّق إلى الصفقة التي توصل إليها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون مع الصين، اعتبر أنه يعد «اعترافاً بأنه إذا ما كان بإمكاننا حل بعض الخلافات، من دون اللجوء إلى القوة، فإن ذلك أفضل بكثير بالنسبة إلينا وللشعوب في تلك المنطقة».
أوباما انطلق، أيضاً، من «الدهشة» التي اعترته بسبب «الانتقادات المتزايدة التي تتخطى المسألة النووية إلى الحديث عن أنه حتى إذا تمّ حل القضية النووية، فإنهم (الإيرانيين) سيدعمون الإرهاب، وسيحصلون على مزيد من المال للدخول في نشاطات سيئة». وبناءً على هذه الهواجس ذكر أن «هذا ممكن»، مضيفاً أنه «سيكون علينا العمل ضد ذلك بأسلوب منهجي مع حلفائنا ــ في الدول الخليجية وإسرائيل ــ لمنع ما يقومون به خارج البرنامج النووي». ولكنه عاد بعدها ليكرر أن «الأساس هنا، هو أنهم لو تمكنوا من الحصول على السلاح النووي، لكان الأمر مختلفاً، وبناءً عليه، لقد حققنا هدفنا».
بالنسبة إلى الإسرائيليين، أعرب أوباما عن اعتقاده بأنه «ليس من الضرورة القول إنه تحت إدارتي، قمنا بالمزيد من أجل تطوير القدرات الإسرائيلية، وقد قلت إنني مستعد للقيام بأكثر مما قامت به أي إدارة أخرى سابقاً في ما يتعلق بتأمين المزيد من الضمانات الأمنية (لإسرائيل) من الولايات المتحدة». في هذا الإطار، أضاف أن «مخاوف الناس مشروعة، فحزب الله لديه عشرات آلاف الصواريخ الموجهة إلى إسرائيل. وهي تصبح مع الوقت أكثر تعقيداً»، مضيفاً أن «منع وصول هذه الصواريخ لم يكن ناجحاً كما يجب».
ولم يهمل أوباما الالتفات إلى حلفائه الآخرين، خصوصاً الخليجيين، فـ«وفق الطريقة ذاتها سيجري محادثات معهم حول كيفية صياغة سياسة منعٍ أكثر فعالية، وكيفية بناء هياكل حاكمة وعسكرية أكثر فعالية في المناطق السنية التي أصبحت فراغاً تملؤه جماعة داعش، أو الذي يمكن أن تستغله الأنشطة الإيرانية في بعض الأحوال».
«هناك مخاوف مشروعة على جهة الدول الخليجية في ما يتعلق بمحاولة إيران تحريك الأحداث التي تزعزع الاستقرار في داخلها»، أضاف أوباما، ليعلّل الجملة التالية وهي: «ليسوا مرضى بجنون الشك».
وعاد بعدها ليؤكد أنه رغم أن «إيران تقوم بأعمال غير بناءة، بأسلوب خطر»، إلا أن «ما قلته بكل بساطة هو أنّ علينا إبقاء عيننا على أمر واحد، وهو أن إيران مع سلاح نووي ستكون أكثر خطراً».
في سياق آخر، حاجج الرئيس الأميركي بالقول إن «منع إيران من الحصول على قدرات تخصيبية، هو أمر مستحيل بكل بساطة»، ليوضح أن «المتاح الأساسي هنا، هو كيف يمكن كبح جماحها والتحقق من حدودها». وقال إن «نتنياهو كان يفضل ــ ويشاركه العديد من النقاد في وجهة النظر هذه ــ ألا يكون لإيران قدرات نووية، ولكن في الحقيقة، ينطوي هذا الرأي على فكرة القضاء على وجود المعرفة».