احتاج حزب الكتائب إلى عقد ثلاثة اجتماعات لمكتبه السياسي (في 6 و10 و13 تشرين الثاني)، قبل أن يتمكن من إصدار بيانٍ يعلّق فيه على أزمة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري. بيان لم يُدِن في أيّ سطرٍ منه تصرّف السعودية كسلطة وصاية تجاه لبنان، وإجبارها رئيس الحكومة على تقديم استقالته، وحجزها حريته حتّى تُقايضها بتنازلاتٍ سياسية وميدانية في الاقليم.


نقل رئيس الحزب النائب سامي الجميل النقاش، خلال مؤتمره الصحافي الإثنين الماضي، إلى الحديث عن ضرورة استغلال الظرف من أجل الاتفاق على حلّ بنيوي متطلباته «التركيز على تحييد لبنان عن الصراعات وعدم التدخل بشؤون الدول العربية»، خاصة أنّ التسوية القديمة «سلّمت البلد وقرارها إلى الآخرين، لذلك وصلنا إلى المأزق، ولهذا السبب نحن بحاجة إلى تسوية جديدة». لكنّ الجميّل تمنّى «عودة سريعة للحريري إلى لبنان، ليُترجم قناعاته من الأراضي اللبنانية».
منذ معارضة حزب الكتائب التسوية الرئاسية، ورفضه تولّي وزارة من دون حقيبة، وانتقاله إلى صفوف المعارضة بوجه حكومة سعد الحريري، تحول الخلاف السياسي بين حزب الكتائب وتيار المستقبل إلى صراع شخصي بين الحريري والجميل الذي لم يتوانَ عن تناول ملفات «الفساد» التي كانت تطال الحريري أو شخصيات ومؤسسات محسوبة عليه. شركة «سوكلين» مثلاً. رغم ذلك، لا يوجد ما يُبرّر عدم اتخاذ موقف واضح من الطريقة التي حصلت بها الاستقالة، والظروف المحيطة بها، بصرف النظر عن سياسة تيار المستقبل. المستغرب لدى قيادة الصيفي هو أنّها في العادة من رافعي «لواء السيادة»، وعدم التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية، وفق نظرية «الحياد» على قاعدة «لا إيران ولا السعودية». وحين تُرجم موقف الرئيس الإيراني حسن روحاني، «أين من الممكن، في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا والخليج الفارسي، اتخاذ قرار حاسم من دون أخذ الموقف الايراني في الاعتبار؟»، على غير ما قصد قائله، ردّ عليه الجميل بأنّ «التاريخ سيُحاسب كلّ من تواطأ أو تخاذل أو ساهم بصفقة سلّمت حق اللبنانيين بتقرير مصيرهم للآخرين». يختلف الأمر في حالة السعودية. صحيح أنّه لم يثبت أنّ الجميل يُشارك في تنفيذ الأجندة السعودية المُعادية للبنان وشعبه، ولكن حين يتعلّق الأمر بالمملكة الوهابية، تخفت الأصوات المنتقدة وترتفع «التبريرات» لخطواتها، حتى لو كانت من مستوى إجبار رئيس حكومة على الاستقالة ثم احتجازه.


حين يتعلّق الأمر بالمملكة الوهابية تخفت الأصوات المنتقدة وترتفع «التبريرات» لخطواتها


خلال الاجتماعات الكتائبية الأخيرة، كان هناك أغلبية «تدعو إلى التعامل مع الموضوع برويّة، حتى جلاء العديد من النقاط»، بحسب مسؤولين كتائبيين. في المقابل، برز توجه «لا سيّما لدى نواب الحزب، يطلب أن يصدر موقف يتناغم مع خطاب السعودية، لجهة دور إيران في المنطقة وسلاح حزب الله في لبنان». انتصر دُعاة «الانتظار»، حتّى «لا نكون كـ(رئيس القوات اللبنانية) سمير جعجع، الذي صعّد في الأيام الأولى، قبل أن يعود ليتبنّى التسوية مُعدّلة».
وجهة نظر الكتائب أنّ التسوية التي عُقدت قبل سنة «سلّمت البلد إلى حزب الله. وسبق أن حذّرنا أنّ أي رئيس حليف لـ8 آذار، سيربط قرار لبنان الرسمي بقرار حزب الله، ونتحمل التبعات». يعتقد الكتائب أنّه «تبيّن أننا على حقّ»، فيما الحقيقة أنّ المشكلة ليست آنية، ولا تتعلّق فقط بالصراع الايراني ــ السعودي. فالعقلية السعودية في التعامل مع لبنان، عبر تهديد أبنائه وجاليته في الرياض بلقمة عيشهم في حال لم تنصَع الحكومة اللبنانية للإملاءات السعودية، تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
تُصرّ المصادر الكتائبية على أنّ الصيفي «لا تُبرّر تصرفات السعودية. ثوابتنا واضحة مهما اختلفت الظروف، على العكس من الآخرين الذين بدّلوا مواقفهم كثيراً في اليومين الماضيين، وآخرين فجأة انتفض لديهم الحسّ الوطني». وعلى الرغم من التأكد لبنانياً ودولياً من أنّ الحريري ليس حُرّاً في تقرير مصيره، «تريثنا لأنّه كانت تنتشر كلّ يوم خبرية وشائعة في ما يتعلّق بوضع الحريري». تقول المصادر قبل أن تُقرّ: «نعم ما يحدث غريب، وهناك عدم وضوح. ونعم وضع الحريري، كما يظهر، غير طبيعي وحالته النفسية غير جيدة. نتعاطف معه كشخص، رغم خياراته السياسية، ويجب أن يعود بأسرع وقت إلى لبنان، ونفهم منه كلّ الأسباب». إذاً، ألا يُعتبر ما تقوم به السعودية تعدّياً على السيادة؟ «الانخراط في سياسة المحاور كلّه تعدّ على السيادة. حين يقول حزب الله إنّه جندي في ولاية الفقيه ويتلقّى أمواله ودعمه من إيران، أين السيادة؟ لا نريد أن نُقارن، ولكن إيران تتدخل في لبنان لمصلحة حزب وطائفة على حساب الآخرين، بينما السعودية حين قرّرت وهب الجيش 3 مليارات دولار، وحين تُساعد يكون ذلك لمصلحة البلد ككلّ»! هل تصرّفت إيران، في يومٍ من الأيام، مع مسؤول لبناني كما فعلت السعودية؟ ماذا عن تجميد الرياض للهبة كـ«عقاب» للدولة؟ لماذا لا تردّون على تصريحات ثامر السبهان وعادل الجُبير ووليد البخاري؟ ولماذا هذا التبرير للسعودية؟ «لا نُبرّر، ولكن هذه نتيجة المسار القائم منذ سنة. مصلحة لبنان في تحييده عن الصراعات»، تقول المصادر ذلك، وتزيد بأنّه «منذ عشر سنوات، وفريق 8 آذار يقول إنّ الحريري يُنفذ ما تطلبه منه السعودية. الفرق أنّ اليوم لم يُعجبهم ما طلبته. بالنتيجة، يجب أن نحترم الحريري، وننتظر عودته وسماع روايته».