ظهور اللافتات ليس أمراً غريباً على اللبنانيين. قد يكون حيّ ما فارغاً في الليل، وفي الصباح يصير معرضاً. المسألة «ثقافية». من مميزات الشّعب اللبناني، الذي لا يوّفر فرصةً للتعبير عن رأيه، أنّه يعلّق اللافتات ليشكر ويستنكر ويرحّب ويعترض ويهنّئ. بهذا المعنى، فإن ظهور لافتات مؤيدة للرئيس سعد الحريري، «الموجود» في السعودية، لم يكن حدثاً غريباً في حد ذاتهِ. بين ليلة وضحاها، اجتاحت اللافتات أزقة بيروت. بدأت من طريق الجديدة والمزرعة وقصقص، وكرّت السّبحة.


لم تنم بيروت يوم أعلن الرئيس الحريري استقالته. كان الليل عليها ثقيلاً، وفي الصباح ارتدت صمتها في انتظار «التحرّك الرسمي». تدريجاً، بلغ التعاطف مع قضيّة رئيس الحكومة ذروته في الشّارع اللبناني. الذروة في التعاطف كانت بعد المقابلة، لكن اعلان «الولاء» له بدأ منذ اليوم الأول. هكذا انتقلت صوره من «أزقة» مواقع التواصل الاجتماعي، عشية الاستقالة، إلى شوارع بيروت، وخصوصاً في منطقة طريق الجديدة. المنطقة التي لفحها المدّ الناصري في الستينيات، وتحوّلت في السبعينيات إلى «عاصمة ياسر عرفات» الذي استقر في شارع الفاكهاني، أصبحت، اليوم، «ماركة مسجّلة» في العرف اللبناني لتيار المستقبل. تدريجياً، تقلّص حضور عبد الناصر، وتبخّر حضور «أبو عمار»، على مستوى اللافتات، وأخذ الحاضر مكانهما: «الله، حريري، طريق الجديدة»، كما تقول إحدى اللافتات.


بعض اللافتات صيغ ببلاغة وبعضها شعبوي لكنها كلها تشير إلى شعور بـ«اليتم»


لكن من يعلّق اللافتات؟ الناس لا يعرفون. يندر أن تسأل أحداً عن لافتة ويعرف صاحبها، على رغم أن بعض «المعلّقين»، يتركون توقيعهم في «كعب» اللافتة. معتز ياسين، مثلاً، صار معروفاً في تلة الخياط وعائشة بكار. لكن أحداً لا يعرفه في الواقع. الجميع يعرف أنه صاحب مقولة «الولاء بالدم»، وهي مقولة تُشعر قارئها أنه في «الرايخ». لافتة أخرى، مذيلة بتوقيع «شباب الملا، وليد الصقر»، تقول «إنما لصبري حدود على غيابك». تُشعر القارئ أنه في القاهرة، وأن معلّق اللافتة موسيقار! ورغم الخِفة (خِفّة الدم والمعنى) في الشعارات، إلا أن مصدراً في تيّار المستقبل أكد أن معظم اللافتات والأعلام التي انتشرت منذ استقالة الرّئيس الحريري «عُلّقت بمبادرات فرديّة وشخصيّة»، وفي رأيه «هذا أبسط دليل أنّ الكل حقاً مع الشّيخ سعد».
بعض اللافتات صيغ ببلاغة وبعضها الآخر شعبوي للغاية. لكنها في كل الحالات تشير إلى شعور بـ«اليتم» لدى «المستقبليين»، وأن الناس فعلاً يرفعونها من تلقاء أنفسهم. يؤكّد عُمر قاسم الذي علّق صورة عملاقة للرئيس على شرفة منزله في قصقص: «أنا براسي رحت عملتا للصورة، مش ناطر حدا يعطيني اياها أو يقللي حطها». عمر ليس وحيداً. أمام محل «أبو علي والـ 40 فرّوج» الشهير، قرب الملعب البلدي، يعلّق شّبان مزيداً من الأعلام الزرقاء. يؤكّدون أنّهم يعلقونها «لأنّنا نحبّ الرّئيس سعد... وليس لأنّ هارون طلب منّا ذلك»، كما يقول أحدهم ساخراً من التظاهرة التي قام بها أنصار اشرف ريفي، ويضيف: «نحن نعرف جيداً لماذا نحن مؤيدون لهذا التيار».
رغم كل الفوضى والعشوائيّة وغياب التراخيص، من يمكنه أن يتخيّل بيروت بلا لافتات؟ سائق التاكسي، محمّد سلام، الذي ألصق صورة الراحل رفيق الحريري على المرآة يؤكّد «هيدي لَشو كلها الصّور، ليكي كل واحد بحطلي صورة وبيكتب بالخط العريض إنو قدّمها للشيخ سعد، الشّيخ سعد ما بترجعو الصّور». يستنكر السّائق الخمسيني عدم قيام شارع «المستقبل» بأي وقفة أمام السّفارة السّعوديّة، أو أي تظاهرة حقيقية من أجل رئيسه. يرفع صوت المذياع حين يسمع صوت القرآن، يفتح كفّيه نحو السّماء «بحق القرآن يرجع الرّئيس، الله يردك بالسّلامة».