عشرات الجرائم وقعت في هذا البلد الصغير خلال الأشهر القليلة الماضية: حسين محمود ديب من بلدة شقرا انزعج من صوت شاحنة جاره مختار ويزاني، أمام المنزل، فأرداه قتيلاً برصاصتين في صدره. علي الزين أفرغ 17 رصاصة في رأس زوجته سارة الأمين. امرأة دهست ريتا الدهام في جبيل ثلاث مرات فتكسرت أضلاع قفصها الصدري وماتت. إشكال على أفضلية المرور في قبر شمون أودى بحياة الشاب وليد المهتار الذي أصيب برصاصة قتلته على الفور. عدد من الشبان اعتدوا على سائق حافلة للجيش، متجهة من بعلبك الى الهرمل، بسبب خلاف على أفضلية المرور. طارق يتيم طعن جورج الريف حتى الموت بسبب خلاف على أفضلية المرور أيضاً!


ليست ظاهرة العنف التي انتشرت أخيراً في المجتمع اللبناني أمراً مستغرباً، إذ إنها نتيجة متوقعة لعوامل وضغوط حذّر منها الكثيرون؛ أبرزها: غياب المحاسبة القضائية الجدية، انتشار السلاح واستسهال خرق القوانين... أو بمعنى آخر غياب الدولة. فالدولة لا تفرض هيبتها سوى على المستضعفين من فقراء ولاجئين ومثليين وعمال أجانب، أمّا الزعماء والأثرياء و»أزلامهم» فيبقون بعيدين حتى عن المساءلة، ليستبيحوا أمن المواطنين ويصبحوا خطراً على المجتمع.
طارق يتيم ليس مجرماً جديداً، إنما سجله حافل بالاعتداءات والجرائم، فهو شارك في إطلاق النار عام 2010 على مازن الزين في ملهى MAISON BLANCHE بسبب خلافات بين الأخير وأنطون صحناوي، إذ كان يتيم ضمن مجموعة المرافقة الشخصية للأخير. اعتدى عام 2012، على أستاذ الرياضة إيلي فرح في مدرسة زهرة الإحسان وقطعوا أذنه لأنه رفض السماح لإحدى الطالبات بالمشاركة في حصة الرياضة من دون ملابس رياضية، ليكمل تاريخه الإجرامي، المعروف على الأقل، بقتل جورج الريف عبر طعنه على مرأى الجميع في محلة الصيفي، وغادر المكان غير آبهٍ ومطمئن بأنه سيفلت من العقاب كما حصل في الجرائم السابقة.
نهار الأربعاء الفائت، تلاسن جورج الريف مع قاتله على طريق المطار بسبب أفضلية المرور. لم يسمح لسيارة البيكانتو التي تقودها سيدة وإلى جانبها طارق يتيم بالمرور، صدمت سيارتهما عمداً سيارة جورج وأكملا طريقهما. لحق الريف بسيارة البيكانتو ليتمّ استدراجه الى منطقة الصيفي، حيث نزل يتيم من السيارة حاملاً سكيناً وبدأ بطعن جورج في بطنه وضربه على رأسه حتى أرداه قتيلاً أمام مجموعة من الناس الذين شاهدوا ما حصل من دون أن يتدخلوا.
فعلياً، لم يعد الناس يثقون بالقضاء ولا بالدولة، فأخذوا خيار العنف المقابل رافعين شعار المطالبة بإعدام طارق يتيم انطلاقاً من أنه لو لم ينصع القضاء للضغوط والتدخلات واتخذ عقوبات جدية بحق يتيم في جرائمه السابقة لما كان جورج الريف قد مات. اكتشف الناس مع موت جورج أنّ «التدخّل في القضاء يقتل»، وبالتالي يريدون أن يتأكدوا من انّ هناك عقوبة تُنفّذ بحق القاتل لأنهم يبحثون عن محاسبة جدية ستضيع إذا تُرك الملف في زواريب القضاء. مجدداً، يساهم القضاء، بسبب غياب الشفافية، في تكريس نهج عنفي وصل إلى حد مطالبة البعض بالثأر من دون انتظار الدولة.


فعلياً، لم يعد
الناس يثقون بالقضاء فرفعوا شعار المطالبة بإعدام القاتل



تؤكد درجة التضامن مع عائلة الضحية أنه عندما تحدث هذه الجرائم لا يكون الضحية الشخص نفسه، إنما يصبح مفهوم الضحية أوسع. يقول المحامي زياد بارود إنّ «هناك ضحية كبيرة هي المجتمع. فالجريمة تخطت الفاعل والضحية لتشمل أزمة الأمن والقضاء». من هذا المنطلق، يؤكد بارود أنّ «من يدافع عن المجتمع هو الحق العام الذي لا ينتهي بمجرد سقوط الحق الشخصي، وبالتالي هناك حاجة الى أن يتشدد الحق العام إلى أقصى الدرجات في هذه الجرائم، وخصوصاً أن تكرار الجرائم، نسبة الى سجل الجاني، يعدّ سبباً من أسباب التشدد، كذلك وقوع الحادثة علناً من دون الاكتراث». يقول بارود «علينا أن ننتظر ما سيقرره الحق العام لحماية المجتمع».
من جهته، يرى المحامي نزار صاغية أن «النظام القضائي ــــ السياسي هو من علّم طارق يتيم أن يرتكب الجريمة تلو الأخرى، وبالتالي يجب محاكمة هذا النظام»، إذ إنّ التدخلات التي حصلت سابقاً في قضايا يتيم، وتحديداً قضية الملهى الليلي هي التي أوصلت الى هذه المراحل من العنف. لذلك يعلن صاغية أنّ «المجرم الأكبر هو التدخل في القضاء، وبالتالي الجواب على هذه الجريمة يكون عبر الرجوع الى الأساس وتحديداً معالجة إشكالية هذا التدخل». ويضيف: «ارتُكبت في الآونة الأخيرة عدة جرائم لم تتم المحاسبة فيها بشكل يتناسب مع خطورة الجرم. هناك دائماً تسييس للجريمة ومحاولة لحماية المجرم وخفض عقوبته، بدءاً بقضية ميشال سماحة بسبب الضغط السياسي، وصولاً الى طارق يتيم كونه أحد أزلام أحد أنطون الصحناوي صاحب الثروة، مرورا بممارسات كثيرة كمثول العقيد المتقاعد عميد حمود بسلاحه الحربي أمام قاضي التحقيق في طرابلس برفقة نائبين». يلفت صاغية الى أن «ظاهرة العنف والجرائم المنتشرة من المفروض أن تزيد وعي المواطن بأن العدو الأكبر له هو التدخل في القضاء، ولكي يحمي نفسه عليه أن يطالب باستقلالية القضاء».

بيان الصحناوي

من جهته، استنكر رئيس مجلس إدارة بنك «سوسيته جنرال» أنطون صحناوي «الجريمة البشعة» وأصدر مكتب مستشاره القانوني بياناً حذّر فيه من «زج اسمه في قضية مقتل جورج الريف الذي نجم عن حادث فردي انتهى بارتكاب جريمة بشعة»، جازماً بأنّ كل تلميح من هذا النوع، وأي تناول لاسمه في هذا الملف، «سيكون موضوع ملاحقة أمام القضاء من أجل وضع حد للأكاذيب ومحاولات الابتزاز وكل محاولات تحوير الوقائع».