[منتخبات شعرية]

ترجمة وتقديم رشيد وحتي

طغت صورة برتولت برشت (1989 ـــ 1956) مسرحياً، وقلما تم الانتباه إليه شاعراً، حتى في ألمانيا. كما طغت صورته كاتباً لنصوص «ملتزمة» سياسياً، نصوص ضمير جمعي، تبتعد عن نشيد الذات، الذي كان مستهجناً في أدبيات «الواقعية الاشتراكية». لكن برشت الشاعر اتخذ له مساراً متفرداً، رغم التزامه خيار الواقعية الصعب خصوصاً في الشعر، لكن مع ميل واضح للسخرية والتلميح حتى في غزلياته التي تبدو متهكمة على غزليات غوته. نصوص برشت الشعرية طروس مكتوبة فوق طروس ممسوحة، ينبغي الحفر فيها عميقاً لبلوغ كنهها. ها هنا مختارات شعرية وافية من جميع مراحل حياته، نستهلها بإضاءة، ولو أنها ذات ملمح سياسي، فإنها أمثولة لأسلوب الشاعر في الكتابة.

آه كم أتعذب..

آه كم أتعذب، لو تدرين، عندما تبـزغ امرأة فاتنة؛ تحت الحرير الأصفر، عجيزتها الميادة في زرقة الليل.
[1917]

ذكرى ماريا ألف

كان ذلك ذات يوم جميل من أيام أيلول الأزرق، صامتاً، تحت شجرة خوخ فتية، بين ذراعي كما في حلم غض، كنت أضمها، المحبوبة الهادئة والشاحبة. من فوقنا، في سماء الصيف البهية، كانت في الأعالي غيمة، في كامل بياضها، نظرت إليها ملياً، وعندما بحثت عنها كانت قد فرت.
مذاك، انفرطت شهور وشهور بكل هدوء. ودونما شك تم اقتلاع شجرة الخوخ، وإن عن لك أن تسألني: والمحبوبة؟ سأجيب: لا أذكر. طبعاً، أعرف ما دار بخلدك، لكن وجهها لم يعد يمثل لي شيئاً. ما أدركه هو أني كنت أحضنها.
وأي نسيان كان سيغمر تلك القبلة، لو لم تكن تلك الغيمة ثمة! أذكرها وسأذكرها، دوماً، في شدة بياضها وهي تنـزل. ربما أزهرت أشجار الخوخ وأنجبت المرأة سابع أطفالها، لكن هذه الغيمة، بالذات، لم تعش إلا لحظة، وعندما بحثت عنها كانت تموت مع الريح.
[1920]

أسطورة إسكندناڤية

قدموا من الجبال، ضخاماً وسماناً، بشعر حناوي وأسلحة برونزية في أيديهم الثخينة التي كانت تبدو بذاتها حيوانات مفترسة. كان غناؤهم يسري ارتعاشة في السماء الزرقاء. نساء بشعر منسدل، وخواصر باذخة، كن يتشبثن بثيران سمينة وهادئة. وفي المساء، عندما تعوي الريح على ذرى أشجار الحور، كانوا جميعاً يحلمون بالبحر الأزرق. ثم غرقوا فيه مع القمر النحاس الجديد كما حيوانات بالغة الثقل.
[1920]

بصدد المسكين ب. ب.

أنا برتولت برشت، من الغابات السوداء. أتت بي أمي إلى المدن عندما كنت في بطنها. وسيبقى في برد الغابات حتى مماتي.

■ ■ ■


أنا ببيتي في مدينة الأسفلت، مصحوباً، مذ عرفت نفسي، بأسرار قرابين الموتى، الجرائد، التبغ، ماء الحياة؛ حذراً، متسكعاً وفي الأخيـر راضياً.

■ ■ ■


أنا لطيف مع الناس. أفعل مثلهم، أعتمر قبعة صلبة. أقول: هم حيوانات لها رائحة خاصة جداً، ثم أقول: لا بأس، أنا واحد منهم.

■ ■ ■


فوق كراسي الرجاحة أقعد، أحياناً، قبل انتصاف النهار، امرأتين أو ثلاثاً. أنظر إليهن بلا شدن، وأقول لهن: أنا شخص ليس بوسعكن الاعتماد عليه.

■ ■ ■


أجمع، مساء، ببيتي بعض الرجال، نتجاذب أطراف الحديث، ندعو بعضنا جنتلمانات. يضعون أرجلهم فوق مائدتي ويعلنون: ستسيـر الأمور، عما قليل، بالنسبة لنا، نحو الأفضل. أبداً لا أسأل: متى؟


■ ■ ■


صباحاً، تبول التنوبات في فجر رمادي؛ أما هامتها — الطيور —، فتبدأ بالزقزقة. هو ذا، في المدينة، أوان الصفيـر في كأسي، إلقاء عقب السيجارة، النوم مضطرب الفكر.

■ ■ ■


جلسنا، باعتبارنا جنساً خفيفاً، في بيوت كنا نقول إنها أبداً لن تهدم [هكذا شدنا البنايات الفخمة الشامخة لجزيرة مانهاتن، وتلك الهوائيات الدقيقة التي يلهو بها المحيط الأطلنطي]

■ ■ ■


من هذه المدن سيبقى من مر عبرها: الريح! البيت يبهج الآكل فيفرغه. ندرك ذلك: نحن العابرين؛ من سيتبعنا؟ لا شيء مما يستحق أن نسميه.

■ ■ ■


وسط النكبات القادمة، لن أترك، على ما أظن، سيجاري من ماركة ڤيـرجينيا ينطفئ مرارة، أنا، برتولت برشت، الملفوظ من الغابات السوداء، في مدن الأسفلت، عندما كنت في أمي، في ما مضى.
[1922]

لم لم يعد أحد يكتب..

لم لم يعد أحد يكتب في الجرائد أن الحياة جميلة! أحييك، أي ماريا: كم هو جميل أن نتبول على نغمات ملامس الپيانو! كم هو إلهـي أن نتناكح وسط غويبة قصب جننه الريح!
[1922]

الأم بيملن

للأم بيملن ساق خشب تمشي بها مثلي ومثلك، تلبسها نعلاً. والأولاد الطيبين تريهم الساق الخشب.
على الساق معقوف تعلق به مفتاح مأواها؛ كذا، عندما تعود من المشرب، حتـى لو كان الظلام دامساً، تجده طوع اليد.
بعد أن تصطاد الأم بيملن من سيكون الليلة متعشقها وتستقدمه تطفئ النور، عند بسطة الدرج، قبل أن تفتح.
[1925]

بدأ الثلج يساقط..

بدأ الثلج يساقط، من سيبقى في هذا المكان؟ كما فيما مضى، سيبقى فيه الحصا والفقراء.
[1933]

ما كان لديك جبلاً..

ما كان لديك جبلاً، سووه بالأرض. وواديك طمروه. فوقك، الآن، يمر سبيل سالك بسهولة.
[1934]

هجرة الشعراء

لم يكن لهوميروس بيت. ودانتي أرغم على مغادرة بيته. لي پو ودو فو (1) عرفا التيه خلال حروب أهلية التهمت ثلاثين مليوناً من البشر. أوريپيدس رأى نفسه مهدداً بالمحاكمة. أما شكسپير، فسمر فمه وهو يحتضر. لم تكن ربات الفن، وحدها، تطارد فرنسوا ڤيون؛ كان البوليس أيضاً يقتفي أثره. نفي لقريسيوس، المكنى أيضاً بـ «المحبوب». هاينه، بدوره، اضطر للمنفى. وعلى غرارهم، هرب برشت تحت سقف من قش دانمركي.
[1934]

عندما طردوني، عندما نفوني..

عندما طردوني، عندما نفوني، قرأ الناس في جرائد دهان العمارات (2) أنّ ذلك حدث لأني تهكمت في قصيدة على جندي الحرب الكبرى. وحقاً، سنة قبل أن تضع هذه الحرب أوزارها، عندما كان النظام، ليدفع عنه الهزيمة، يرسل للجبهة حتى أبأس المعطوبين مع المراهقين، كنت قد وصفت في قصيدة كيف كانوا ينبشون قبر الجندي الميت بالنيران ليبعثوه للقتال ثانية، بينما كان يواكبه — صارخين نشوة — المخادعون، الجزارون، قامعو الشعب. والآن، ما داموا يعدون لحرب كونية جديدة، عازمين على تجاوز شناعات الأخيـرة، فإنهم يغتالون أو يطردون أمثالي، لأننا كنا ننزع القناع عن ضرباتهم الخسيسة.
[1934]

شراء البرتقال

في شارع ساوثمپتن، ذات ضباب أصفر، عربة الفاكهاني فجأة، فانوس، والعجوز الوسخة تلف جامات. بقيت منخرساً كمن يرى شيئاً يتوجه نحوه، شيئاً هو هنا من أجله. توجب، حقاً، أن يكون برتقالاً! نفخت في يدي بعضاً من حرارتي، واصطدت سريعاً في جيبي قطعة نقدية. ولكن، بين لحظتين، وبينما كنت أسحب بعض البنسات، كنت أنظر للثمن الذي كان مكتوباً بالفحم الثخين على ورق جريدة، لحظت أني كنت أصفر قليلاً. فجأة، رأيت بوضوح ومرارة: في الحقيقة، أنت لست، بتاتاً، هناك، في تلك المدينة.
[1934]


هل سننشد، في الأزمنة المعتمة، أيضاً؟

هل سننشد، في الأزمنة المعتمة، أيضاً؟ أي نعم، سننشد: نشيد العتمة.
[1934]

شجرة خوخ

ثمة، في الباحة، شـجرة خوخ. إنها بالغة الصغر، من ذا يظن أنها، وهي محاطة بالسياج، هكذا تكون محمية. تود هذه الصغيرة لو نمت. أي نعم، النمو منية. لكن الأمر بعيد عن التحقق: فأشعة الشمس لا تدفئها.
شـجرة خوخ — من ذا يصدق الأمر — لم تثمر أبداً ولو خوخة واحدة. وهي، رغم ذلك، شجرة خوخ: إذ نميـزها من خلال أوراقها.
[1934]

في السنة الثانية بعد هروبي

في السنة الثانية بعد هروبي قرأت في جريدة، بلغة أجنبية، أن جنسيتي أسقطت عني. لم يحزني ذاك ولم يسعدني عندما قرأت اسمي بجوار آخر كثار طيبين ورديئين. لم يكن يبدو لي مصير من هربوا أقبح من مصيـر من بقوا.
[1935]

الثقب في حذاء إليتش

يا من تنصبون لإليتش تمثالاً بارتفاع 20 متراً، فوق قصر النقابات، لا تنسوا في حذائه ذلك الثقب الذي رآه شهود كثر، علامة لفقره. روي لي فعلاً أنه موجه قبل الشرق، حيث سيتعرف كثيرون، في ثقب حذائه ذلك، على إليتش كواحد من أهلهم.
[1935]

عودة عوليس

هو ذا السقف. أولى الحيرات تتبدد. لأن دخاناً يتصاعد من البيت: ثمة أحد. في السفينة، قبلاً، خمنوا أن كل شيء هنا، ما خلا القمر، لربما تغير.
[1936]

مثل لص..

مثل لص يرقب، في ليلة ظلماء، إن لم يكن ثمة شرطي مار: كذا يتقدم الباحث عن الحقيقة.
وكمختلس — بكتف مرتعشة، مخافة يد تحط فوقها — ينشل الحقيقة.
[1936]

يقرأ صباحاً مساء


ذاك الذي أحب باح لي أنه بحاجة إلي. لذلك أنتبه لنفسي، أنتبه لموطئ قدمي، أخاف من بضع قطرات مطر، مخافة أن ترديني إحداها.
[1937]

يحرقون الكتب

يوم أعطى النظام الأمر بأن تحرق، في الساحة العامة، الكتب الملآنة بمعارف مضرة، وأرغمت الثيـران، في كل مكان، على جر العربات، محملة بالكتب، إلى المحارق؛ تفحص واحد من أفضل الكتاب المطاردين قائمة الكتب المحروقة، فهاله أن يكتشف سهوهم عن كتبه، فاستشاط غضباً، هرع إلى مكتبه، وخط للطغاة رسالة: «أحرقوني! — كتب بريشة سيالة — أحرقوني! لا تسيئوا إلي هكذا! لا تهملوني! ألم أحك الحقيقة، دوماً، فيما كتبت؟ وها أنتم تعاملونني، الآن، ككذاب! آمركم بهذا: أحرقوني!»
[1938]

الحبل المنفرط

عندما ينفرط الحبل، يمكن لفقه بعقدة. سيتماسك، لكنه — على أي — منفرط. لربما تلاقينا ثانية؛ لكن، ثمة حيث غادرتني، لن تجدني أبداً.
[1939]

تينة

ثمة كلمة لمتني عليها كم مرة، يعود أصلها للهجة أهل فلورنسا، حيث يسمى شيء المرأة تينة. العظيم دانتي، بذاته، تسببوا له في خصومة عظيمة لأنه ضمن أشعاره هذه الكلمة. وبخ كما وبخ، في زمانه، پاريس من أجل ذائعة الصيت هلينا التي انتزعت من زوجها [هو، على الأقل، خرج بمكسب من القضية.]
وها أنت ترى: حتى دانتي الصارم وجد نفسه، في القدم، منشبكاً في الخصومة العتيقة حول هذا الشيء الممجد، قبل كل شيء، بحماسة.
منذ ميكياڤلي — لوحظ ذلك في أحايين كثيرة — اندلع، في الآداب كما في الحياة العامة، أكثر من نزاع انطلاقاً من هذا المقام المعظم.
[1939]

بصدد العنف

عندما يجرف النهر كل شيء، يقال: عنيف. لكن لا أحد يتهم الضفاف التي تحصره بالعنف.
[1939]

في أزمنة مظلمة

لن يقولوا: آن كانت الجوزة تميد بعروشها في الريح، سيقولون: آن كان دهان العمارات يسحق العمال. لن يقولوا: آن كان الطفل ينبو بالحصا المسطح فوق ماء النهر الجاري، سيقولون: آن كانت تعد الحروب الكبرى. لن يقولوا: آن كانت المرأة تلج غرفتها، سيقولون: آن كانت القوى الكبرى تتحالف ضد العمال. لن يقولوا: كان ذلك في أزمنة مظلمة، سيقولون: الشعراء، لم صمتوا؟
[1939]

أوقات عصيبة للغنائية


أدرك ذلك جيداً: وحدهم السعداء محبوبون. صوتهم يطربنا. حسن وجههم. الشجرة الشاحبة في الباحة تشي عن جدب الأرض، لكن المارة، عن حق، يعتبرونها كسيحة. أنا لا ألمح سفن السند(3) الخضراء، ولا أشرعته السعيدة. من بين كل هذا لا أرى إلا شباك الصيادين المخرومة. لم لا أتحدث إلا عن الأربعينية الماشية محدبة الظهر؟ نهود الفتيات الصغيرات ساخنة كما في الأيام الخوالي. لربما تكاد تبدو لي قافية في أغنيتي وكأنها وقاحة. في دخيلتي تتواجه الحماسة لرؤية شجرة التفاح مزهرة مع الفزع لسماع خطب مخربش العمارات. لكن الإحساس الثاني، لوحده، يدفعني نحو طاولة الكتابة.
[1939]

صناعة حربية

واد يطمر، ثقب هائل يشاد.
[1939]

عدة الـ Weigel (4)

هو ذا الكرسي بلا مسند. هي ذي المرآة العتيقة التي كانت تجلس قدامها، ونصها ممسك فوق ركبتيها. هو ذا قلم الزينة، الجرن الصغير لدق مساحيق التجميل، والشبكة التي حبكتها آن كانت تتقمص دور زوجة الصياد. ولكن ها شيء آخر، يعود لزمن أجبرت فيه على الهرب: قطعة نقدية من عملة سويدية، خفان باليان، إناء نحاس كانت تطبخ فيه حب الآس لأبنائها، لوح الخشب التي كان يعجن فوقها الفطير. كل ما لمسته في الأيام الجميلة والحزينة، أيامكم وأيامها، هو الآن طوع ناظريكم. جواهر ثمينة، بلا زخرف أبداً. ممثلة ولاجئة، خادمة وامرأة.
[1940]

أي عالم هذا؟

أي عالم هذا؟ صارت المداعبات خانقة، تنهدات العشق استحالت صراخ فزع؛ انظر هنالك عقباناً تحوم: ثمة فتاة ذاهبة إلى موعد حب.
[1940]

هوليود

كل صباح، من أجل أكل عيشي، أرتاد السوق حيث تقتنـى الأكاذيب. متـرعاً بالأمل، آخذ مكاني وسط الباعة.
[1942]

صيف 1942

يوماً بعد يوم أرمق تينات الحديقة، وجوه تجار الأكاذيب المتوردة، رقعة الشطرنج في الركن، والجرائد التي تنقل أخباراً عن مجازر في الاتحاد السوڤيتي.
[1942]

مطروداً من سبعة بلدان..

مطروداً من سبعة بلدان، رأيتهم يكابرون في حماقاتهم القديمة. ليبارك من يطوفون كي يبقوا أكثـر وفاء لذواتهم.
[1942]

قناع الشرير

على جدار مكتبـي، قناع ياباني، منحوت من خشب، مطلـي بصمغ ذهب: صورة مارد شرير. مغموراً بالشفقة، ألحظ عروق جبينه المنتفخة: إنها تشي كم هو مضن أن تكون شريراً.
[1942]

قراءة الجريدة آناء إعداد الشاي

في الصباح الباكر، أقرأ في الجريدة عن الخطط التـي يحوكها لقرننا هذا البابا، الملوك وأغنياء البتـرول الكبار. بعينـي الأخرى، أنتبه لإعداد الماء من أجل الشاي في المغلاة، الماء الذي يتكدر ويبدأ في الصفير، يصير ثانية صافياً فطافحاً، ليخنق النار.
[1943]

طلوع النهار

ليس ذلك من دون سبب أن يفتتح صياح الديك كل نهار جديد؛ هذا الصياح الذي — منذ قرون خلت — يؤشر على خيانة.
[1943]

شوكة الطعام الجميلة

عندما انكسرت الشوكة ذات المقبض العاج، عبـرت ببالي فكرة أن في قلب هذا الشيء عيباً كان دوماً كامناً. بشق النفس تذكرت البهجة التي كانت، بلا ريب، تبعثها فيّ.
[1945]

من القفا

عام 1934، والحرب الأهلية تدخل سنتها الثامنة، قذفت طائرات تشانك كاي تشيك منشورات في المنطقة الشيوعية تعد من يسلمها رأس ماو تسي تونـغ بفدية. بعناية متيقظة — لندرة الورق ووفرة الأفكار المحتاجة للنشر— أمر ماو — مطاردهم — بجمع الأوراق، المكتوبة من وجهها فقط، وطبع على القفا الأبيض جملاً فعالة ووزعها بين الأهالي.
[1949]

حكميات

في كل العالم حمت، لم ألحظ في مكان شيئاً. لا أعرف أين بقيت قبعتي، ولا السبع التي كانت لي قبلها.

■ ■ ■


لا تصدق، أبداً، عينيك. ولا حتى أذنيك. فأنت لا ترى إلا ليلاً معتماً: هي، ربما، الشمس.
[1949]

هنات

لم تكن لديك ولو واحدة منها. أما أنا، فكنت أعاني من واحدة بينها: كنت أحب.
[1950]

أشياء تتعاقب ولا تتشابه

الدغل يخضر في حديقة أحد الشعانين؛ لكن أشجار الحور، جنب الماء، عارية. هاته الغيمة، هنا، تريد الإسراع؛ لكن هذه الغيمة الصغيـرة، هنا، تريد، بعد، البقاء. الأخ والأخت يغسلان الأطباق، هو ببطء وهي أسرع. طفلنا الضخم مشغول بشكل آخر، ما زال على الخوان، يحتسي عصيدته.
[1950]

العم إيده

للعم إيده شارب. شارب يتكون، بكامله، من خمس زغب. لكي لا تضيع منها واحدة، منح كلا منها اسماً. وهكذا تسمت: پاول وأوتو، ماكس، كارل وفريتـز. ماكس نحيل بعض الشيء وفريتـز رخو قليلاً.
[1950]

ربيع

على غصن ميت برعم مزهر: تفتح الليلة، فقط من أجل الربيع.
كان فألي به قليلاً، كنت عددته نافقاً، كان أزعجني: كنت، في آخر لحظة، سأشذبه.
[1950]

الحل

بعد انتفاضة الـ 17 من يونيو، أوعز أمين سر اتحاد الكتاب بتوزيع مناشير على جادة ستالين. الشعب — كذا نقرأ في المناشير — فقد، وبخطأ منه، ثقة الحكومة فيه، ولا يمكن للحكومة أن تستعيد ثقتها بهذا الشعب إلا إذا ضاعف من جهوده. ألا يكون أسهل لو أن الحكومة حلت الشعب وانتخبت آخر محله؟
[1953]

تنوبة

فجرا، التنوبات نحاس. هكذا كنت أنظر إليها منذ نصف قرن وحربين كونيتين، بعينين فتيتين.
[1953]
وأنا أقرأ هوراس

الطوفان، بعينه، لم يكن أبدياً. انحسرت، ذات يوم، المياه السوداء. كم — حقاً — كانوا نادرين من عاشوا أطول!
[1953]

ربات الفن

عندما يجلدها ذو السوط الحديد، تغني ربات الفن أقوى، أعلى. ترتقي به نحو الغيمات وتحتفل به، كالكلبات، بأعين ازرقت بالضربات. ترتعش عجيزاتها ألماً، وفروجها شبقاً.
[1953]

إثر قراءة شاعر من الحقبة الهيلنستية

في تلك الأيام عندما كان سقوطها شيئاً أكيداً — علا نشيد الأموات مسبقاً. أعاد الطرواديون ثانية شيئين تافهين، أو ثلاثة، سيرتهما المنظمة فوق بواباتهم ثلاثية الألواح، شيئين تافهين، أو ثلاثة، واستـرجعوا جسارتهم آملين خيـراً. هكذا إذا كان الطرواديون بأنفسهم..
[1953]

درس البستاني

هذا ما تعلمني إياه حديقتي، هذه المملكة الصغيـرة من طبقات وحواش: حتى هذه الوردة الجورية النبيلة، إن أردناها أن تكون جميلة، فعلينا أن نخلصها من كل برعم زائد. عليها بدورها أن تدرك أن الكرنب والثوم — مع الكثيـر من البقليات، ذوات الأصول المتواضعة، ولكن المفيدة رغم كل شيء — يحتاجان، إلى جانبها، لتلقي حصتهما من الماء. ستتوحش الحديقة إن أنا لم أفكر إلا في الوردة الملكية.
[1953]

أنا، لا حاجة لي بشاهدة قبر

أنا، لا حاجة لي بشاهدة قبـر؛ ولكن إن أنتم احتجتم أن تكون لي واحدة، فأتمنى أن يكتب عليها: قدم مقتـرحات. وقبلناها. مكتوب كهذا سيشرفنا جميعاً.
[1954]

عندما استفقت في الغرفة البيضاء بالمشفى الخيري

[آخر قصيدة كتبها برشت على سرير الاحتضار]
عندما استفقت في الغرفة البيضاء بالمشفى الخيـري، صباحاً، وأصغيت للشحرور، فهمت أشياء كثيـرة. منذ زمن طويل لم أعد أهب الموت. على أساس ألا شيء أبداً بإمكانه أن ينقصني إن أنا كنت ناقصاً من ذاتي. عندها توصلت للابتهاج حتـى بشدو الشحارير من بعدي.
[1956]


■ كل المواد البصرية المرفقة مع الملف من وضع التشكيلي التعبيري الألماني رَاوُول هَوسمَان، باستثناء پورتريه برشت.
■ القصائد مترجمة عن الفرنسية:
Bertolt Brecht, Poèmes 1918-1956 [9 volumes], L’arche éd., Paris, 1965-1968.
المراجع
1- Li Po, Du Fu: أهم شاعرين صينيين، رفقة Wang Wei، في عصر آل تانغ.
2- بهذه الكنية كان برشت يغمز من قناة هتلر الذي رغب، في فتـرة شبابه أن يكون فناناً تشكيلياً، عبـر متابعته لدروس مدرسة الفنون الجميلة في ڤيينا.
3- مضيق بين الدنمرك والسويد.
4-  زوجة برشت ومؤدية أهم أدوار مسرحياته نسائياً





برشت يعبر مواربة

كان برشت مقيماً في أميركا خلال محاكمات موسكو وكان في زيارة لرجل كان بدوره يسارياً، ولكن مناهضاً بعنف للستالينية ومخالطاً للمحاكمات الـمضادة التي نظمها تروتسكي. كانت محاورتهما حول البراءة الجلية لـمتهمي موسكو، وبعد أن لاذ برشت بالصمت طويلاً، قال أخيراً: «كلما كانوا أكثر براءة، كلما كانوا أكثر استحقاقاً للـموت». تبدو الجملة مثيرة للغضب. لكن ماذا قال حقاً؟ كلما كانوا أكثر براءة مم؟ مما كانوا متهمين به طبعاً. وبم كانوا متهمين؟ بالتآمر على ستالين. لهذا بالذات، وبالضبط لأنهم لم يتآمروا على ستالين وكانوا أبرياء من الـ «جرم»، كانت ثمة عدالة في هذه اللاعدالة. ألم يكن من الواجب الحصري لـ «الحرس القديم» منع رجل — ستالين — من تحويل الثورة لجريمة هائلة؟ لا جدوى من القول إن مضيف برشت لم يفهم؛ ثارت ثائرته وطلب من ضيفه مغادرة البيت. هكذا ضاعت كلمات برشت، في واحدة من اللحظات النادرة التي تحدث فيها فعلاً ضد ستالين — ولو بطريقته الـمتحفظة الـمخاتلة. أزعم أنه، عندما وجد نفسه في الشارع، تنفس الصعداء: لم يتخل عنه حظه ثانية.
[حنة أرندت: «أناس في أزمنة مظلمة»، نشر النص للمرة الاولى في The New Yorker، 1966]