صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر


لن أغادر هذا البيت مهما حصل.
حين كنت صبيّة وفقيرة، كانوا ينادونني صُوفيا طاطا(1). أمّا الآن فينادونني باحترام مدام صوفيا. أطلقوا عليّ اسم طاطا صوفيا من دون أن يعرفوني، من دون أن يتأكدوا إن كان الاسم يُناسبني. تهامس الناس خلف ظهري ومنهم من تجرأ وناداني صراحة صاحبة الرومي العجوز.

oui ،Yes، نعم، أنا صاحبته، بكل اللغات. ما شأنهم؟ ما همّهم؟ هل اهتمّوا حين نمتُ تحت سقف مثقوب؟ هل اهتمّوا حين هدهدتني أنّات الألم من جسد أمّي المتيبّس؟ هل اهتمّوا حين كان إخوتي الصغار ينامون من دون طعام؟ هل اهتمّوا حين كان إخوتي الصبيان يرعون الغنم والمراعي كما تدرون لا تفور بالذئاب والخنازير البريّة فقط، بل تفور أيضاً بلصوص البراءة، مغتصبي الصغار.
أجل، لقد غرستُ عينيّ في عينَي الرومي بفجور، بكل فجور الفقر، بفجور السقف المثقوب ينز مطراً، بفجور الألم على وجه أمّي تفرد أصابعها وأطرافها المتيبّسة فلا تقدر. أجل غرستُ عينيّ في عيني الرُومي العجوز. في الحقيقة، رُويْ لم يكن عجوزاً، كان كهلاً في أواخر الأربعين، لكني أنا من كنتُ صبيّة فتيّة. كنتُ حطبة جهنّم كما نادتني إحدى النساء في الحمّام. يا حطبة جهنّم، صرخت عبر البخار المتموّج في قاعة الماء الساخن. في البداية، لم أر وجهها جيّداً لكنني تبعتُ صوتها وهي تضيف: يا عاهرة، تفتحين ساقيك لرومي غير مطهّر.
فار الدم في جسدي وسمعت دقات قلبي تُدوّي في أذنيّ، لكني تمالكت نفسي وضحكتُ بأعلى ضحكة لديّ. وقفتُ أمام جسد المرأة العاري ما عدا غلالة متهدلة من القطن البيج. كان العرق ينز دون توقف من مسامّ جسدها منهمراً مثل دموع. كان جسدها يبكي وكان جسدي المُتصلب أمامها يغلي. وقفت أمامها ولم أتكلم. رشقتُ عيني في عينيها فقط. بينما تدافعت الشتائم في فمي دون أن ألفظها، حبستها داخل حلقي ثمّ أدرتُها داخل فمي مثل علكة وردية فرقعتها عندما رأيت الذعر أخيراً يتلألأ في عينيها، فرقعت بالون شتائمي في وجهها بجملة واحدة:
On répond aux imbéciles par le silence.(2)
رُويْ لم يكن عجوزاً وأنا لم أكن طفلة. لم أكن حطبة بل جمرة ملتهبة، كنت عصا مكنسة كما اعتاد إخوتي مناداتي. كنتُ جِلداً أسمر ملتصقاً على هيكل عظمي، كنتُ بطناً مسطحاً ومؤخّرة مسطحة ونهدين مكوّرين بحجم كرتيْ تنس ويعلو فوق كل هذا رأس مدوّر صغير يغطيه شعر أسود قصير... لا أدري ما الذي أعجبه فيّ حقاً؟ ربما كانت نظرتي؟ بكل تأكيد نظرتي.
أذكر يومها كيف قلبتُ البالة بصبر. كنت أبحث عن فستان جميل ولافت للانتباه. سألت صديقتي بثينة ترى أيّ الألوان أختار؟ يومها نظرت إليّ بثينة باستهجان وسألتني: هل وجدت طعاماً تأكلينه كي تقلّبي في أكداس الفريب؟
أجبتها وعيناي منغرستان في كومة الثياب بتركيز: يجب أن أجد هذا الفستان، هذا الفستان هو المفتاح، هو الفأس التي ستجتثّ الفقر من جذوره.
ليلتها غرستُ عيني في عيني رُويْ من دون أن يرفّ لي جفن ومن دون أن ترتعش ركبتاي. فقط في الحبّ نخاف وتتهاوى الأرض من تحتنا وتقترب السماء من فوقنا حتى تصبح سقفاً أزرق يكاد يقع على رؤوسنا. مع رُويْ، كنت أنا الصيّاد وكان هو الفريسة، يده كانت العصفور ويدي كانت القنّاص. إذاً ما فائدة الحب؟ عذاب لا فائدة تُرجى منه. أجل الحب رائع، لكنه لم يزدني إلا فقراً وضياعاً. كنت ساذجة حين أحببت وصدقتُ أنني حقاً دعسوقة تحط في باطن كفّ حبيبي فيفرح. كان حبيب يناديني يا نحلتي، بينما يلهو خلف ظهري مع أيّ بنت تضحك له. نظرة واحدة من عينيه كانت كافية لأشعر بمذاق العسل على شفتيّ وبحلاوة في روحي، فأصدّق كل أكاذيبه.
حين رفعت شفتيّ أول مرّة ليقبّلني، ارتجفت ركبتاي ودوّت دقات قلبي حتى خشيت أن يسمعها. وعندما قبّلني أخيراً، شعرت بأن الأرض مادت تحتي. دار رأسي وبدا سقف السماء قريباً حتى خلت أنها سوف تهوي فوقي. الأمور مع رُويْ كانت مختلفة. عندما رأيت رُويْ أول مرّة، غرست عيني في عينيه وشعرتُ بالقوة، شعرت بأنني نسر صغير يتجهّز لينقض على أول فريسة له. نظرة رُويْ يومها كانت نظرة عابثة، تحط على الوجوه بكسل ولامبالاة. في البداية لم يهتم بي، لكنه عندما التقط نظرتي المُتوثبة تغيّرت نظرته الكسولة. لم أرَ أعذب من تلك النظرة ولا أقسى منها. تجمّدت العينان الزرقاوان على وجهي وانتبهتُ لحركة ساقيه المتوترة من تحت الطاولة. في تلك الليلة التي أقام فيها حبيب حفلة على نخب صديقه الأميركيّ رُويْ ودعا أصحابه من الشباب والفتيات المتحرّرات، دعاني أنا أيضاً. كنّا أربع فتيات نحضر لأول مرة سهرة مختلطة ونرقص مع الشبّان ونشرب لأول مرّة البيرة التي سبق أن سُكبت في قوارير عصير كي لا ينتبه والد حبيب. ليلتها رأيت نظرة رُويْ تتسلق جسدي، وتحط على صدري مثل حمامة تبحث عن حافة نافذة ترتاح عندها. رأيت نظرته تتموّج عندما تعبر جسدي، فتتحوّل إلى نظرة رجل يريد أن يضمّني حتى يكسر ضلوعي ورأيت نظرته حين تستقرّ على وجهي تتحوّل إلى نظرة أم تريد أن تحتوي صغيرها.
ومع ذلك، لم تكن ليلتي الأولى مع الرومي عاصفة استوائية. الفستان الملوّن بلون الفوشيا الذي اشتريته بنصف دينار من البالة، كان مفتاح ليلتنا الأولى. بفرنسيته المتكسّرة وإنكليزيتي الميتة، تركنا اللغة وراء الباب. فقط لغة اليدين تكلمت ليلتها. لم يعاملني كعاهرة كما خشيت أن يفعل. عاملني كملكة. أنا الفحمة المحترقة بنت حُومة ليس فيها أعمدة إنارة، أجلسني الأميركي الأشقر على الأريكة وجثا هو أمامي على الأرض. لثم قدميّ إصبعاً إصبعاً ومضت شفتاه صعوداً على امتداد ساقيّ الرفيعتين، صعوداً حتى توقف الوقت وتلألأت نجوم صغيرة داخل رأسي، فضحكتُ.
نادوني صُوفيا طاطا، نادوني عاهرة الرومي الرخيصة، لكنني لم ألتفت لهم. لقد أردت أن أبصق على الفقر بكل اللغات، أردت أن أسحق الفقر بكل الإشارات، بلغة الأصابع وبلغة اليدين. نعتوني بالفاجرة الانتهازية عندما عرفوا أنني أستعير منازل صديقاتي الثريّات. كنت أستعير بيتاً كل مرّة لألتقط لنفسي صوراً جميلة. أجلس على الأرائك الفاخرة متأنقة بفساتين ملوّنة وقصيرة. أشابك ساقيّ وأرفع سمّاعة هاتف البيت المُستعار، أثبت سيجارة في يدي اليمنى بينما تقبض يدي اليسرى على السماعة بقوّة أتشبّث بها كآخر طوق نجاة. ثمّ أرسم ابتسامة للكاميرا. وقتها، لم أكن أعرف أن البيوت المُستعارة وصور ثرائي المزيّف كانت من دون معنى. لم أعرف أن رُويْ سبق أن تذوّق ملح الفقر على جلدي منذ ليلتنا الأولى كما سيخبرني بعد ذلك بسنوات. وقتها، كنت أعمل بجدّ على جعل علاقتي به تستمرّ برغم المسافات وفارق العمر وحاجز اللغة وكل ما يفصلنا. كان ورقة اليانصيب التي كشفتُ أرقامها السرّية وفزتُ. أرسلت له رسائل شوق سرقت كلماتها من الأغاني وألصقت شفتيّ المصبوغتين باللون الفوشيا كتوقيع ذيّلت به رسائلي. فعلت كل شيء في سبيل الحصول عليه، استعرت لأجله بيوت صديقاتي الثريّات اللواتي كثيراً ما طلبن منّي خدمات صغيرة مقابل تلك الصور (إزالة الشعر من أجسامهن بحلاوة السكر بيديّ الخبيرتين، تسليم الرسائل إلى عشّاقهن، ترتيب مواعيد وأماكن للقاءاتهن المختلسة). غذيت الأمل بعودة رُويْ طيلة أشهر ستة، بالمكالمات الهاتفية المتباعدة والمتقطعة التي كنت أتلقاها منه على هاتف الجيران مرّة كل أسبوعين. كل اتصال كان أملاً يتجدّد. كان رقماً ينكشف من ورقة اليانصيب الرابحة. لكن رُويْ كان ينساني ولا يتّصل. ومع ذلك، لم أسمح لليأس بأن يهزمني. واصلت استعارة البيوت والتقاط الصور إلى أن عاد رُويْ. عاد رجلي الأميركي وأخذني معه وراء البحار، وراء الفقر والرطوبة المُعرّشة على الحيطان وقطرات المطر التي تنهمر على جسدي وصِباي مثل دموع كبيرة، عاد ليأخذني وراء جوع الليالي الطويلة ووراء خوفي على إخوتي من لصوص البراءة ومن الخنازير البرّية.

1- # المقصود tata من كلمة tante الفرنسية.
2- # نجيب الحمقى بالصمت.


* فصل من رواية «منزل بورقيبة» التي توقعها الكاتبة والصحافية التونسية إيناس العباسي (1982) في جناح «دار الساقي» في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» يوم الجمعة 8 كانون الأول (ديسمبر) من الساعة السادسة إلى الساعة الثامنة مساء. نشرت الرواية بالتعاون بين «الساقي» و«الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)». علماً أنّها فازت بمنحة «آفاق» ضمن «برنامج آفاق لكتابة الرواية» (الدورة الثالثة) بإشراف الروائي جبور الدويهي