تغوص رواية «1994» في لحظة مهمة من تاريخ الجزائر الحديث. لحظة ما زال الجزائريون مختلفين حول كل تفاصيلها بدءاً من تسميتها، من «الحرب على الإرهاب» إلى «الحرب الأهلية» ومن «الأحداث» إلى «العشرية السوداء»، و«التسعينيات الدموية». لهذا قرر عدلان مدي (1975) استقراء اللحظة بأسلوبه البوليسي المنافي لأساليب «وزارة الحقيقة» الأورويلية، منطلقاً من الضاحية العاصمية «الحراش» التي كانت من أكثر المناطق دموية. هكذا، يعيد صاحب «صلاة المورسكي» (البرزخ ـ 2008) تشكيل لحظة «الحرب» عبر تجاوز حالة «الإنكار» التي أرادت أن تجعل منها مجرد «أحداث». حرب ما زال ممتدة في وجدان الجزائريين بعد سنوات على نهايتها «المفترضة».


عُشاق العوالم الأدبية لج. د. سالينجر (1919-2010)، سيجدون في رواية «1994» امتداداً مغرياً للقبض على هشاشة واندفاع المراهق وقدرته «الفذة» على تحويل مسار عزلته بالتورط (و/أو خلق) في عوالم خارقة محكومة بثورة العاطفة ومتحررة من قيود العقل الناضج التي تجعل الإنسان أكثر جبناً وتردداً في اتخاذ قرار المواجهة. نتابع ذلك عبر سيرة أربعة مراهقين (أمين، سيد علي، نوفل وفاروق) يدرسون في الثانوية ويعيشون في إحدى ضواحي العاصمة الجزائرية الأكثر صعوبة وتعقيداً خاصة في تلك الفترة، يصفها الكاتب، قائلاً: «هذه الضاحية المتمردة التي لخصت كل الثورات ضد الإنكشاريين والفرنسيين والحكم المركزي، ونادي المولودية (نادي كرة قدم في منطقة شعبية ثانية بالعاصمة يحظى برعاية ودعم رسمي أكثر من سواه)».
وككل الضواحي الغارقة في التهميش والإهمال، بالكاد تكون منطقة الحراش (منطقة الأحداث) مرئية، على الرغم من وجودها على بعد كيلومترات عن مكاتب اتخاذ القرار بالعاصمة، إلا عندما يُحرك الغضب قاطنيها: «غضبٌ جعل من هذه المدينة الصغيرة في الضاحية عشاً للشيوعيين وحاضنةً للإسلاميين وقتلة أفراد الشرطة فيما بعد. أحياءٌ متناثرة تتحد في التمرد، تكرّس سمعة ثابتة في الحرق والتخريب»، كما يقول السارد.
تبدأ أحداث الرواية سنة 2004 بمشهد دفن «الجنرال سلامي» أحد مسؤولي جهاز المخابرات الذي كان من أبرز وجوه الحرب على الإرهاب في التسعينيات. وهو والد أحد المراهقين الأربعة (أمين). عبر تقنية «الفلاش باك»، تقفز الرواية إلى 1994، سنة ذروة العشرية الدامية، لتقوم خلال عملية الانتقال بمسح لما فعلته الحرب في حياة شخوص الرواية. حينذاك، قرر المراهقون عدم الاستسلام لطوفان العنف الذي جاء ليسرق حياتهم ويُبيد لحظة الحب السرمدية التي كانوا يتهيأون لولوجها قبل أن تنقلب الأحلام إلى كوابيس لا تنتهي، بسبب حالة الرعب والخوف التي تملكت «الجميع» من «الجميع». وهنا يصور الروائي بدقة مدى عمق الشرخ الاجتماعي الذي حدث، وكيف أصبح بطل الرواية (والجزائري بشكل عام لحظتها) يحلم أن يكون له «أب وليس هدفاً يجب تصفيته، أن يموت بسلام وليس في انفجار قنبلة أو أسوأ من ذلك أن يموت مذبوحاً». في هذه اللحظة، يبدو سؤال «ما الذي يجب فعله؟» ملحاً، والطبيعي أن المراهقين الأربعة لا يكتفون بطرح السؤال والاختباء في جحورهم عند وقت العصر مثل الناضجين. وإنما يصرون على مواجهة الأمر خصوصاً أنهم يعتقدون أن «آباءهم واجهوا فرنسا المرعبة وهم في مثل سنهم ووضع أسوأ من وضعهم».
في «1994»، يحاول عدلان مدي تفكيك ما جرى في الجزائر بهدوء، خصوصاً أنّ الرواية أخذت منه ثماني سنوات من العمل. إذ قرر كتابتها بعد لقاء جمعه في إطار عمل صحافي بناجين من مجزرة وقعت في الغرب الجزائري راح ضحيتها ألف شخص. وبعدما استمع إلى الناجين، قرر إعادة الكتابة حول ما حدث في تلك الفترة، متحرراً من الإيديولوجيا، ومترفعاً عن الاتهامات والمحاكمات. حاول أن يروي ما جرى عبر مشاعر وعقل المراهق المتحرر من الأحكام والتخندقات، وترك مسافة هامة للقارئ كي يحكم على أحداث الرواية الملتصقة بواقع عايشه أغلب الجزائريين ويعرفونه جيداً. لذلك، عمد إلى إعادة تشكيله من دون تبرئة أحد ولا إدانة آخر. فقط وضع كل طرف أمام مسؤوليته بناء على خياراته التي سجلها التاريخ حتماً. فالجنرال المنحدر من الضاحية التي تدور فيها الأحداث يصفها بأنها «مكب للأوغاد الذين باعوا مؤخراتهم للملتحين». ويضيف: «ليس لشيء سوى لإغاظة هؤلاء المدنيين القذرين الذين يمسكون بالحكم». وهذه ليست صورة متخيلة تماماً، فعبارة مماثلة لها جذور عميقة في الأزمة الأمنية. لذلك عند قراءتها، تتساءل مباشرة: «أين سمعت هذا الكلام؟».


جمع شهادات ناجين من مجزرة وقعت في الغرب الجزائري

مسار المراهقين الأربعة، الذين يتصورون أنفسهم أبطالاً يتحدون الإرهاب، مثقل بالأحداث التي تعرّي مدى مرارة ما حدث، وكيف أنها كانت حرباً حيث «النجاة منها مستحيلة». حتى الذين أخطأتهم سكاكين مجازر أو شظايا قنابل هذه الحرب، هم مجرد «ضحايا». لا أمل في عودتهم إلى ذلك النقاء الأول لقصة حب بسيطة بين كهينة وأمين، لأن الريبة التي تملكت «هؤلاء من أولئك» دفعت بالجميع إلى نفق الدم المظلم.
ربط عدلان مدي الرواية بحبل «وراثة عثرات الأجيال» بشكل مُحكم وواقعي. فما حدث للجيل الجديد الذي تورط في الدم بسبب الشك وعقدة «احتكار الوطنية» ووهم «حماة الوطن» الذي يَعتقد الجميع أنه يخصه دون سواه، جعل المراهقين الأربعة الذين شكلوا مجموعة لمواجهة الجماعات الإرهابية، يبدأون بجمع المعلومات عن الإرهابيين وداعميهم، ويقدمونها لمصالح الأمن من خلال استعمال شفرات أمنية. ويساهم هذا في القضاء على هؤلاء الإرهابيين. لكن بعد فترة، ينزلق الأمر بهم بعيداً، فيقرر أمين وسيد علي الانتقال إلى العمل المسلح من خلال تنفيذ عمليات اغتيال. وهذا القرار يُحدث شرخاً عميقاً في المجموعة، لأن فاروق ونوفل يعارضان هذا الخيار، وينسحبان من المجموعة، فيما تنتهي عملية القتل التي ينفذها أمين وسيد علي بالمأساة التي تتمحور حولها الرواية. إذ ينتهي أحدهما إلى الجنون، والثاني إلى المنفى الأبدي عندما يحاول إنقاذ صديقه. وسط ذلك، يظل جنرالات الجيش والشخصيات القادمة من زمن حرب التحرير يهندسون قصصاً ويطمسون حقائق، ولا يحلون أمراً إلا بتعقيد آخر بسبب تراكم الأحقاد وعقدة الشرعية الثورية التي حولت الانتصار إلى هزيمة جديدة تتورط فيها أجيال الاستقلال.
لا يُفلت الروائي أي تفصيل من الأحداث. يُشير في أحد المقاطع إلى ما اعتقدته معظم الجهات (الأمنية والسياسية) في بداية الأزمة، بأن ما يجري مجرد «أحداث» يسهل القضاء عليها في الوقت الذي تحدده مراكز القرار العليا. يسرد على لسان إحدى شخصيات الرواية وهو ضابط: «كل شيء سينتهي في وقت قصير، ويكفي سحق هؤلاء الذين صوتوا ضد الوطن، ضد أنفسهم، ووضع الوطن في المقدمة» (المقصود هنا تصويت الجزائريين لصالح الإسلاميين الذي تحول لاحقاً إلى أزمة). هذه تنبؤات الجيل المُسير، فيما يقول أحد أبطال الجيل الذي ورث فشلهم: «هذه الحرب حربنا، إنها خاصتنا، هي حربنا ضد أنفسنا، ضد رفيقاتنا، ضد والدينا، أصدقائنا، إخواننا... الحرب التي جعلت منا حتى بعد عشر سنوات أو جيل، أو اثنين، أو حتى بعد ثلاثة قرون، مجرد جثث قاتلة». هذه اعترافات أحد المراهقين الذي انطلق مدافعاً عن الوطن، فيما انتهى إلى قاتل بدوافع الريبة التي أتت على كل شيء: «لقد قتلونا، بدفعنا إلى الجريمة أحرقوا شبابنا جميعاً. إنني أضع الجميع في هذا الكيس العفن، من الطرفين، من كل طرف، لقد لعبوا بالنار وكنا نحن، نحن جميعاً، الوقود الحقيقي».
هذه الاعترافات أو «الإدراك المتأخر» الذي يبوح به أحد الأبطال إلى الطبيبة النفسية عن مراهقته وهو يحاول إنقاذ صديقه بعد عشر سنوات من الدم وهدوء ثورة تلك المشاعر العاطفية المتخبطة، لن تغيّر من واقع آثار الجراح التي تركتها الحرب على جسد الذاكرة الجماعية ولا على «حُطام الحرب» الذي استحال إليه العسكري والمنفي والمجنون (ابن الجنرال الذي حظي بحماية خاصة) وأمهات ضحايا الاختطاف القسري، وحتى المقابر التي يرقد فيها 100 ألف ضحية للحرب الأهلية الجزائرية.