عادة ما يذهب الشاعر في نصوص السفر نحو الآخر أو البعيد، وإن تباينت سبل الشعراء في تصوّر أو معالجة هذا الآخر وذلك البعيد. الاستثناء الأول لهذه القاعدة بدأ مع هوميروس في الأوديسة، الذي يعيد البطل عوليس من تلك الجزيرة البعيدة ومن حضن حورية البحر الى ما يعرفه بشكل مسبق، أي الأهل والوطن. وها يتكرر مع حسام السراي في «حي السماوات السبع» (دار الرافدين، 2017). سنذهب مع الشاعر من الخارجي نحو المألوف، عابرين مجموعة من تجارب نيويوركية (دهشة الشوارع، بيت روبرت دينيرو، اللون الأصفر لإعلان الكوداك الأليف، الإنارة المتبدلة فوق مسرح برودواي). الإشكالية الأولى المثيرة للاهتمام في مجموعة السراي تتلخص في السؤال التالي: لماذا يضع الشاعر «الآخر» و«الغير» على طول الرحلة النيويوركية وفي أولها (الى أنوار منهاتن/ قدماك في مطار أبيض/ اسمه JohnFKennedy/ وأوراقك بيد شرطية جوازات من أفريقيا/ لا حدود للعقل كي يمتحن الألوان) وليس في نهاية النص حين يلهج بأغنية لمروان خوري عن طيور تهرب من الشجر وبعدها (وبلا إشفاق على ما كان/ تحرث في أخطائك/ طلبا الى بذرة التطهر/ فيحين موعد المغادرة)؟


لماذا يجب على الشاعر بالأصل أن يمر بالآخر، أو أن يستكشف مكاناً وزماناً غير مسبورَين من قبل للعودة من بعدها الى نقطة البداية؟ أليست فكرة العودة بحد ذاتها هي المشكلة أو «الحرث في الأخطاء» وحيث «العودة انحناء في سرداب»؟
عند الغوص أكثر في نص السراي المكوّن من مقاطع خمسة في محاولة لسبر العلاقة التي يبنيها النص مع المدينة المقصودة (نيويورك)، فإن أول ما يتبدى هو ما يمكن تسميته بإستيتيك الصدمة: الرحلة التي سيقوم بها الشاعر في شوارع نيويورك ومعالمها هي القطب الموجب في علاقة تستوجب قطباً سالباً سيطل في كل مقاطع الكتاب، وهو المدينة الأصلية أي بغداد، وسيطال اصغر تفصيل لحد المقارنة بين التوقيت في المدينتين، واستحضار شهر ايلول فيهما (في بغداد تسفه عقم ايلول) وفي نيويورك في الساعة ٨:٤٦ نفسها/ يترجل الزائر نحو المقتلة). استيتيك الصدمة هذا لن يمس بسردية الرحلة النيويوركية فحسب، بل سيؤثر على أسلوب النص وبنيته: تتفكك بغداد في بشرها وحجرها (الملائكة تخدرت وأوصال الثلاثة انقلبت/ جمجمة مسعود: مايكروفون سياسي أفّاق يعزي المشيعين/ وسامة حسن: مزية فوق طاقة ثلاجات الموتى/ لافتة نعي مصطفى وإخوته: ثلمة حروف بين أفواه المتاجرين بالهوالك). وأكثر ما يظهر هذا التفكك في الاستدراكات التي تدور حول بغداد حصراً (سلام على أعصابك وهي تضبط حكمتك المهشمة، سلام على دمك مصفياً العروق من كريات ماتت منذ أن أفسدتها الانتمادات العمياء) في حين أن في نيويورك «كل ما حولك يصاغ بانتظام».


لا يمكن قياس «وداعة نيويورك» إلا على قساوة الوطن
نقطة مثيرة يمكن أن تضاف حول علاقة النص بالمدينة، هي أن الطابع العمودي والأشكال الهندسية المهولة في نيويورك، لم تمثل تهديداً للشاعر على غرار الأدباء الآخرين ممن زاروها أمثال لوركا وسنغور وباردامو، حيث ظهرت المدينة كمتاهة مرتفعة، تكشف فيها المدنية عن وجهها الأبشع. لم تظهر استعارة المدينة - السجن التي طالما ألحقت بالمدن الكبرى والخلل السلبي بين الإنساني والكتل الإسمنتية الهدامة التي يفضحها المسافر المتوحد في تلك المدن ويعريها. ويمكننا هنا استحضار أبيات لوركا الشهيرة من «شاعر في نيويورك» لمقاربة المدنية الحديثة بقسوتها وافتقارها للعدالة: «كل يوم في نيويورك/ نذبح ملايينا أربعة من البط/وألفين من الحمام/ ليبتهج المحتضرون». بدت نيويورك للسراي أليفة «لا يتهددها العبث/ ساكنة مطمئنة/ ومن توزع النفايات بين جاف وسائل/ تعرف أن تكون منتمياً الى العالم/... وفي الجهة المقابلة/الغيتار يعبر/على كتف بنت توردت وجنتاها».
عود على بدء، لا يمكن قياس «وداعة نيويورك» إلا على قساوة الوطن «البعيد الأبعد»، حيث «أصوات أخشاب النعوش/ وهي تحج اليك من المستوطنة «العظيمة»/ تطفئ كل هذه المشاهد/ وبياض حروف القماشة المستطيلة/ يحتل الجمجمة بمفتتح بليغ: «ولا تحسبنّ الذين قتلوا...». في نيويورك «لا حواجز/ تقمع هواياتك في الفراغ/ لا كونكريت مسلحا/ يستبدل سرورك الطارئ باليتم»، بل مدينة تبعث على البهجة. قد لا نجانب الصواب لو قلنا إن الشاعر قد دخل نيويورك باستعداد مسبق يفسد في عينه متعة اكتشاف مركز العالم بنظرة جديدة، عذراء وبلا مخططات مسبقة، بل بواسطة انطباعات تبنى على انطباعات أصلية نقيضة من الرماد والدم.
إشكالية أخرى قاسية يشير اليها السراي في استدراكه الأول «لا عمران الآن نباهي به العهد القديم، والمعماريون، رفاق الوديعة الغائبة، عاطلون عن العمل، وواحدهم صار لاجئاً أو مهاجراً، وطن «صناديق الاقتراع» انتقم منهم شر انتقام وشرّدهم أشنع تشريد، والبناد المنكفئ، صامت ومزركش برصاص الطوائف». الإشكالية انطولوجية تتمركز حول السفر ودوافعه بين الشرق والغرب: اذا كان ظاهر النص يشير الى الشرق وخاصة العراق في تاريخه السياسي والاجتماعي الحديث حيث «الأم مشغولة بوحشة الأبيض والأسود في التلفاز/وبالمذيع يلهج بقافية الفناء: «جاءنا البيان التالي» وذلك الغرب و«شرفته فارغة الا من مائدة المجد المستحيل/لا ينتظر بهاد الشمس/ فأطيافه حطت عند رأسه قبل أربعين عاما/يوم لم تكن أنت حتى نطفة مؤجلة»، فإن جولة سريعة في أدبيات نصوص السفر في القرن التاسع عشر قد تساعدنا على فهم أفضل لهذه الإشكالية، مثل رحلات شاتوبريان الى الشرق، ولامارتين، ودو نرفال وفلوبير ودوكامب. سافر هؤلاء الى بلادنا باحثين عن اعادة اكتشاف الجذور الاسطورية لحضارات «المعماريين العظام» الضاربة في التاريخ. كانت تلك الرحلات بمثابة طواف أو رحلة الحج الرمزية بين بابل وتدمر والقدس والقسطنطينية والاسكندرية، حين كان «العالم الجديد» في الجهة الأخرى من الأرض يمثل لهم أرضاً بلا تاريخ، أو تاريخاً قيد التشكل. أخذ العالم الجديد «الوديعة الغائبة» و«مائدة المجد المستحيلة» عنوة، وابتدأت رحلة معاكسة من الشرق ثلاثية الأبعاد، يشير اليها السراي بوضوح ببعد اللاجئ، وبعد المهاجر، والبعد الثالث (طائرات متقدتان بين السحب/ أعلى فأعلى تصاعد تحليقهما على المقاعد/ تلاقت ذئاب كانت منا ذات يوم/ نحن طرائدها في الجنة والنار.../ الإفتراس هو أصدق النهايات).
بالمحصلة، مجموعة الشاعر العراقي الشاب هذه، تنسجم مع جوهر الكتابة الشعرية المنبثق من دينامية معينة بين قوى متناقضة. دينامية لا تتحقق دون التمزق المطلق، وبين التناقضات والثنائيات التي يقيمها الشاعر بينه وبين العالم. أحد الادوار المحتملة للشعر بحسب اندريه شديد هو «كشف حقيقة عارية في ظهيرة التناقضات». وفي «حي السماوات السبع»، روح الشاعر هي البوتقة التي تغلي فيها القوى المتناقضة، وحيث يعوزها من وقت لآخر، منفذاً تمثله نيويورك أو غيرها لعوليس البغدادي. منفذ كما يقول بيار ريفيردي «لهواء المجهول الذي يتغلغل في قماش الروح».