شكل انتصار المقاومة في 2006 تحولاً جذرياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وفي تاريخ المنطقة، وأسقط هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها. استراتيجياً، أسس هذا الانتصار لولادة عصر جديد يرتكز إلى قواعد ومعادلات جديدة في إرادة الصمود والاستقلال بعيداً عن منطق الهيمنة والاستسلام لخدمة المشاريع الاستعمارية التي كانت تحلم بها إسرائيل والولايات المتحدة لولادة شرق أوسط جديد. كما أسّس لعصر المقاومة الذي شكل محوراً إقليمياً هزم المحور الصهيو ــــ أميركي الذي يقود اليوم العدوان على سورية بسبب احتضانها ودعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية وبسبب تحالفها مع إيران.
وانطلاقاً من نصر تموز 2006 مروراً بالمراحل السابقة منذ 1982، يأتي كتاب «عصر المقاومة… صناعة النصر 1982 ــــ 2017» للكاتب حسن حردان (دار بيسان للنشر والتوزيع). الكتاب الذي قدّم له رئيس الجمهورية الأسبق العماد إميل لحود، ونائب الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، يؤرّخ لنشأة المقاومة تاريخياً وللظروف والأوضاع التي رافقت انطلاقتها، إضافة إلى تأثير المحيط العربي، موجزاً مرحلة الانتداب الاستعمارية التي قسمت المنطقة.

رغم التضحيات التي قدمتها الشعوب العربية في سبيل حريتها، إلا أنّ هذه الحركات التحررية لم تؤسس للنصر القومي على الاحتلال لأسباب عدة، أبرزها الخلافات التي زرعتها الدول الاستعمارية أمام أي حركة تحرر وطني وقومي في المنطقة، وتبنيها للمشروع الصهيوني في المنطقة لضمان عدم توحدها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ولإنهاكها بحروب توسعية استعمارية. وهو ما لفت إليه الكاتب من خلال مقاومة شعبية ومسلحة نجحت في تحرير أكثر من بلد عربي من الاستعمار الفرنسي والبريطاني الذي «دسّ» ورعى الكيان الصهيوني ليكون قاعدة ارتكاز لحماية مصالحه في العالم العربي. من هنا أتى إجهاض الثورة العربية في فلسطين (1936) بقيادة الشيخ عز الدين القسام وانتهت إلى هزيمة العرب عام 1948، وظهور دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين برعاية الاستعمار البريطاني. ويصل الكاتب إلى قناعة مؤدّاها بأنّ سبب هذه الهزيمة كان ارتهان القيادات العربية سياسياً واقتصادياً للغرب الاستعماري، ومراهنة القيادة الفلسطينية السائدة على انتهاج طريق التفاوض والتهاون بديلاً عن خيار المقاومة المسلحة... ليؤكد أنّ انتصار ثورة 23 يوليو الناصرية جاءت كَرَدّ على تآمر الأنظمة الرجعية العربية ومشاركتها في ضياع فلسطين كما على الفساد داخل النظام الملكي المصري وتبعية أركانه للغرب الاستعماري. الدور الذي لعبته هذه الثورة في عملية النهوض القومي العربي التحرّري، وفّرَ الظروف لانطلاق حركات المقاومة الفلسطينية عام 1965 التي أخذت بعداً عربياً شاملاً، مذكّراً بمعركة الكرامة في الأردن (1968) عندما انتصرت المقاومة الفلسطينية على القوة الصهيونية، لكنها لم تتمكّن من المراكمة عليه لتحقيق انتصارات لاحقة.


يؤرّخ الكتاب لنشأة المقاومة تاريخياً والظروف التي رافقت انطلاقتها


ويعقد حردان مقارنة بين المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، خصوصاً بعد 1982، من حيث القيادة والأسلوب والممارسة والاستراتيجية. إذ شاركت في هذه المقاومة اللبنانية، بداية، أحزاب وقوى وطنية وقومية ويسارية وإسلامية، وتمكّنت من بلوغ التحرير من خلال قيادة ثورية غير مهادنة تميّزت بالوعي والمصداقية وبالصلابة والشجاعة وبُعدِ النظر، والقدرة على إدارة الصراع مع عدو متغطرس، وعلى مواجهة الظروف والمصاعب في الداخل ببراعة وصبْرٍ ودراية، ما وفّر للمقاومة البيئة المواتية على المستوى الوطني للتفرّغ للمواجهة وتطوير قدراتها، وصولاً إلى تحقيق النصر. ويضاف الى ذلك بعد قومي تجسد بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي جعل دمشق عاصمة للمقاومة والممانعة والصمود، ودور إيران في دعم المقاومة بكافة الأشكال.
ويفنّد الكاتب مسار المقاومة بعد 1982 وإسقاط اتفاق 17 أيار، وإفشالها أهداف عدوان تموز 1993، وعدوان عناقيد الغضب (1996)، وفرض معادلة توازن الردع عبر تفاهم نيسان 1996 الذي نصّ على تحييد المدنيين وإقرار حق المقاومة بمواصلة القتال لتحرير الأرض، ليخلص الى أنّ هذه الانتصارات هي التي أسّست لصناعة الانتصار التاريخي والاستراتيجي في 25 أيار 2000.
وبعد نجاح المقاومة في إجهاض مشروع الفتنة العدواني إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تمكنت من إحباط أهداف عدوان تموز 2006، العسكرية والسياسية، ومن تحقيق انتصار أحدث زلزالاً داخل كيان العدو، إذ فجّر التناقضات بين المسؤولين الصهاينة، وهزّ ثقة الرأي العام الصهيوني بقدرة جيشه على حمايته، وهو ما أفرد له الكاتب مساحة ركّز فيها على نتائج الانتصار وإعطاب عناصر القوة الصهيونية.
الجزء الثالث يتطرق الى الحرب الإرهابية الكونية على سوريا وأسبابها الحقيقية وكيف تمكّنت سوريا من الصمود وصناعة النصر. ويقارب الأحداث ومساراتها، مفنّداً التباينات بين سوريا من جهة، ومصر وتونس من جهة أخرى، من الزاويتين الوطنية والاجتماعية. كما يتناول أسباب دخول روسيا هذه الحرب وأهمية ذلك في خلق توازن استراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة، مع الدعم الإيراني في المجالات كافة ومشاركة المقاومة في الحرب الى جانب الجيش السوري. ويخلص الى حتمية انتصار سوريا، مورداً سبع نتائج لهذا الانتصار: تعزيز وحدة الشعب السوري على أساس الانتماء للعروبة، خروج سوريا من الحرب أكثر تماسكاً بما يؤسس لإعادة استنهاض التيارات العروبية والقومية في الوطن العربي، تعزيز شعبية الرئيس بشار الأسد، تطهير سوريا من الاختراقات المعادية والعميلة لقوى الاستعمار وأدواتها في المنطقة، وترسيخ دورها الوطني والقومي المقاوم، سقوط الخط الليبرالي الذي نظّر لسياسة الانفتاح الاقتصادي وأسهم في إضعاف بعض قطاعات الصناعة الوطنية، نشوء بيئة استراتيجية جديدة في المنطقة لمصلحة محور المقاومة، تحاصر المشروع الصهيوني في فلسطين وتضعف نهج الأنظمة الرجعية العربية، وتأكيد أفول زمن الهيمنة الأميركية الغربية على القرار الدولي وولادة عالم متعدّد الأقطاب والمراكز وعودة الحرب الباردة بسمات جديدة.
* كاتب ومحلل في الشؤون الدولية