يعرف القرّاء سوزان سونتاغ (1933 ـــ 2004) ناقدة أكثر منها روائية أو قاصة. أسباب كثيرة أسهمت في ذلك، أوّلها كتابتها الأدبية الموسمية، واللغة الرصينة التي طبعت كتبها النقدية في الفوتوغرافيا والأدب والسينما والمسرح والفنون التشكيلية. حتى لقبت بـ «السيدة السوداء» للحياة الفكرية والثقافية الأميركية على مدى أربعة عقود. في المجمل، لم تعترف سونتاغ بالحدود بين أنماط الكتابة وأشكالها.


تركت مؤلفات نقدية مثل «حول الفوتوغرافيا»، و«فيما يتعلّق بوجع الآخرين» تبعه كتاب «فيما يتعلّق بتعذيب الآخرين» حول وحشية الجيش الأميركي مع العراقيين في سجن أبو غريب، إلى جانب كتابها الأشهر «ضد التأويل» الذي يضمّ مقالتها الشهيرة بالعنوان نفسه. «بدلاً من هرمنيوطيقا الفن، نحن بحاجة إلى إيروتيكا الفن»، تلخّص العبارة توجّه سونتاغ النقدي؛ في الإعلاء من شأن الرؤية الحسية للعمل الفني، مقابل الدعوة إلى تشذيب المضمون وتخفيفه قدر المستطاع. رؤيتها الطليعية إلى النقد مطلع الستينيات، قطعت العلاقة مع النقد الأميركي التقليدي ما بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً مع مزجها الثقافة النخبوية بتلك الشعبية. كل هذا ساعد في إخفاء وجه سونتاغ الأدبي رغم كتابتها للمسرح، ولأربع روايات، ومجموعة قصصية بعنوان «أنا، إلى آخره» (1978)، التي أعادت دار FSG الأميركية إصدارها قبل أيام بعنوان مختلف هو Debriefing، بعد حوالى أربعة عقود على نشرها للمرة الأولى. تستحضر المجموعة سونتاغ القاصة، المتفلّتة من أي أسلوب سردي. كأن المجموعة بمجملها تجريب في التوثيق وكتابة السيرة الذاتية وتدوين ملاحظات وأفكار غير مترابطة، ومزج أساليب مختلفة. تحوي النسخة الجديدة القصص الثماني التي صدرت في المجموعة الأولى وتناولت آفات الأزمنة الحديثة من نظام العمل إلى التربية الأسرية والمخاوف الفردية، وقد أضيفت إليها ثلاث قصص كانت قد نشرت في الـ «نيويوركر»، من بينها «الطريقة التي نعيش فيها اليوم» (1986) حول فيروس الايدز.