منذ اللحظة الأولى لاحتجاز السعودية الرئيس سعد الحريري وإجباره على تقديم استقالته، نظرت روسيا إلى الخطوة السعودية كجزء من مشروع أميركي تصعيدي جديد في المنطقة، يستهدف لبنان هذه المرّة. «خطوة بهذا الحجم لا يمكن السعوديين الإقدام عليها من دون ضوء أخضر أميركي»، يقول مصدر دبلوماسي روسي لـ«الأخبار».


وسريعاً، حاول الروس استطلاع تداعيات هذه الاستقالة وما قد ينجم عنها من تداعيات، مع حرص شديد على التزام الصّمت الإعلامي والتريّث في موسكو. إلّا أن صمت موسكو، قابله اتصالات مكثّفة لوزاة الخارجية الروسية مع الرئيسين ميشال عون ونبيه برّي ووزير الخارجية جبران باسيل والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم. وكذلك إطلاق السفير الروسي في بيروت ألكسندر زاسبيكين سلسلة مواقف عالية السّقف، لجهة التمسّك باستقرار لبنان ورفض التدخّل الخارجي في شؤونه والمطالبة بعودة الحريري. والأبرز، كان رفض زاسبيكين الحديث عن حكومة مقبلة من دون حزب الله، ردّاً على التصريحات السعودية التي جاء بيان الحريري من وحيها.
وتقول المصادر الروسية، إن «من أعطى الضوء الأخضر للسعوديين للقيام بهذه الخطوة»، أي الأميركيين، «كان ينتظر تطوّرات دراماتيكية في الداخل اللبناني، على الصعيدين الأمني والاقتصادي، بما يدفع نحو تدويل الأزمة». فضلاً عن أن ما يحكى عن تصعيد عسكري إسرائيلي ضد لبنان وسوريا بدفع سعودي، كان محطّ اهتمام روسيا منذ أكثر من شهرين، ولا سيّما قبيل زيارة وزير الدّفاع الروسي سيرغي شويغو للكيان الصهيوني. وبحسب المصادر، فإن شويغو «كان واضحاً بإبلاغه الإسرائيليين بموقف موسكو الرافض لأي تصعيد عسكري أو شنّ حرب ضد سوريا أو لبنان» وأن «استقرار المنطقة هو الأساس بالنسبة إلى موسكو بعد الهزيمة التي تعرّضت لها التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق ولبنان».
وتقول المصادر إن «الدعوة التي وجهها زاسبيكين إلى سفراء دول مجموعة دعم لبنان كان الهدف منها تأكيد موقف موسكو أمام السفراء برفض التدخّل بشؤون لبنان من أي جهة أتت ورفض أي محاولة لخلق أزمة جديدة مع انحسار الأزمة السورية».
وترى موسكو أن «محاولة ربط الملف اللبناني بالأزمة اليمنية، قد يكون مُعدّاً مسبقاً في كواليس الأمم المتّحدة، وهدفه استدراج لبنان إلى مجلس الأمن من هذه الزاوية لتدويل الأزمة. وتحميل لبنان مسؤولية الأزمة في اليمن هو هروب إلى الأمام، بعدما أجبر الأميركيون والسعوديون الرئيس علي عبد الله صالح على تقديم استقالته». وما قامت به موسكو، هو «التأكيد أمام المعنيين أن دور مجلس الأمن محصورٌ بتطورات وضع الرئيس سعد الحريري شخصيّاً».
وتركّز المصادر الروسية على أن روسيا تتعامل مع الأزمة المستجدة في لبنان، من زاويتين: أوّلاً، ترفض موسكو تدويل الأزمة لأنه لن يصبّ في مصلحة لبنان في نهاية المطاف، مؤكّدة أن «الفرنسيين والبريطانيين تعاملوا مع الأزمة من باب عودة الحريري فقط للحصول على أدوار إعلامية وتجديد نفوذ في المنطقة، بينما نحن نركّز على مفاعيل الاستقالة وخطورتها على الوضع اللبناني». ثانياً، ترفض موسكو إدخال لبنان في الصراع الإقليمي، وتُشدّد على رفض التدخّل الخارجي في الشأن اللبناني، إلّا أن «الموقف الروسي كان من الممكن أن يتصاعد لو بقي الأميركيون على مواقفهم الداعمة للخطوة السعودية».