لنعد إلى درس «الاستقلال» الذي يُعطى لمن هم في عمر الرابعة عشرة، السنّ «التقريبية» للدراسة في الصف التاسع أساسي. أولئك الذين يروي لهم كتاب التاريخ المدرسي «قصة الاستقلال». لن يحتاج انهيار مقومات «الرواية» إلى سنوات كثيرة لاحقة من عمر التلميذ. تدريجياً، ستتداعى هذه المقوّمات واحدة تلو أخرى. أول تلك المقوّمات هو النشيد الوطني بعدما طُرحت حوله إشكالية ما إذا كان مأخوذاً عن نشيد «بطل الريف» المغربي، أو أنه كان فعلاً، كما «يُدرّس»، من كلام رشيد نخلة وألحان وديع صبرا. لم نعرف النتيجة التي وصلت إليها لجنة التقصي حول حقوق الملكية الفكرية التي ألّفها وزير الثقافة السابق سليم وردة.
من المقوّمات المتساقطة، قلعة الاستقلال، أو قلعة راشيا في البقاع الغربي، التي تنظّم إليها رحلات «حج» مدرسيّة على نحوٍ كثيف. التلميذ يمكنه أن يقرأ على اللوحات التفسيرية الموزّعة في أرجائها أنها في الأساس برج صليبي، زيدت إليه لاحقاً أبنية منها السور الشرقي الذي بناه الفرنسيون.

أما جناح الاستقلال ومدرج الرئيس رياض الصلح، فتولّت ترميمهما مؤسسة الوليد بن طلال (السعودي كما بات معلوماً للجميع). «بيت الاستقلال» في بشامون ــــ حيث اجتمعت حكومة الاستقلال للمرة الأولى ــــ هو أيضاً من الأماكن ذات «الرمزية الوطنية» التي طالها الإهمال الرسمي.


يسقط اسم سعيد فخر الدين من كتاب التاريخ المدرسي كأول شهيد في الاستقلال

البيت الذي تعود ملكيته إلى الشيخ حسين الحلبي وعائلته لم يكن يوماً «محطّ اهتمام» رسمي، إلى أن قامت إحدى عائلات المنطقة بترميمه في 2014، أي بعد 71 عاماً من الاستقلال.
ثم تظهر الانتقائية في الإضاءة على أسماء الشهداء الذين سقطوا في معركة الاستقلال، مثل سعيد فخر الدين الذي سقط دفاعاً عن حكومة بشامون، ولا يعترف به «كتاب التاريخ». الاستنسابية تنسحب أيضاً على ذكر أبطال الاستقلال من الرجال وتناسي ضغط الشارع الذي شكّلته النساء. لا يوجد في كتاب التاريخ، ولا في كتب المؤرخين، أي اشارة إلى «نساء الاستقلال».
ثم إذا تحوّل الطالب اللبناني إلى قارئ حقيقي للمؤرخين الجدّيين، فإنه قد يقع على كتب من مثيل «لبنان: الإستقلال، الصيغة والميثاق» لمسعود ضاهر، الذي يقول في مقدمة طبعته الثالثة: «تزامنت معركة استقلال لبنان مع نشر تهم دوغمائية وقوموية كثيرة، فوصف البعض استقلال لبنان بالهشّ لأنه لم يتعمّد بدماء المناضلين اللبنانيين، ونعته البعض الآخر بأنه صنيعة الجنرال سبيرز لتعزيز النفوذ البريطاني على حساب النفوذ الفرنسي في شرق البحر المتوسط». وفي دراسة أخرى، لوجيه كوثراني بعنوان «إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية»، سيتبيّن أن كل طائفة كتبت التاريخ «على مزاجها»، فيما «تُغيّب» الطائفة الشيعية مثلاً، عن حقبة الاستقلال. بعد المدرسة، قد «يدندن» التلميذ مع مارسيل خليفة... «اجا التاريخ طعمانا كف»!