يرتاح البائع عندما نسأله عن البدلات العسكرية الخاصة بالأطفال. يخبرنا أن محله يشهد إقبالاً ملحوظاً في عيد الاستقلال تحديداً، من قبل الأهالي، «لا لأنهم متحمسون، بل لأن المدارس تجبرهم. الأهالي لا يريدون الشراء». وتتراوح أسعار هذه البدلات بين 25 و40 ألفاً. المدارس ــ والحمد لله ــ مسؤولة وواعية لأهمية «العسكرة» منذ «الطفولة». وهكذا يظن الجميع أنهم «يشاركون» في الاحتفال، وفي الاستقلال. لا يتوقف الأمر على الأطفال.


ألم نحفظ جميعاً تلك الأغنية الشهيرة التي تقول «تسلم يا عسكر لبنان يا حامي استقلالنا؟». اللبنانيون عموماً يحبّون الجيش، وبعضهم «يبالغ» في محبته، فيحاول «تقليد» الجيش. داخل هذا المحل، وهو أحد المحال «المدنية» المخصصة لبيع اللوزام العسكرية ــ القديمة والجديدة ــ ستجد كل ما يتعلّق بالجيش والجيوش. يخفض صاحب المحل الصوت عند رؤيتنا. تبدو عليه الثقة. يؤكد لنا مفاخراً بالقول إنه يبيع، ليس للجيش فقط، إنما لما يسمّيه «شبابنا»، قاصداً شباناً من أحزاب محلية.


تتراوح أسعار البدلات
للأطفال بين 25 و40 ألفاً والمدارس توصي بشرائها
ولا أحد حقاً يمكنه أن يعرف كيف يمكنه التأكد من أن «شبابنا»، الذين يبيعهم، هم في الجيش، أو ليسوا كذلك. لديه «أساليب خاصة» للتحقق على ما يبدو. نسأله عن البدلة الجديدة، فيقول بلهجة العارف، إن اسم البدلة عادةً يرتبط بالمنطقة الجغرافية «الشباب بجرود عرسال ارتدوا بدلات تسمى «ديجيتال»، أما في الجنوب في حرب تموز وغيرها، فإنهم يرتدون بدلة تشبه بدلة الجيش الحالية»، ويُرجع ذلك إلى التمويه. ولسيرة الألوان، يحدثنا عن بدلة الجيش اللبناني. الأخضر كان لون البدلة الأولى. كان يشبه الثياب العسكرية الفرنسية. ترك الانتداب أثراً بعد الاستقلال. في 1983، تغيّرت البدلات. صارت أميركية الطابع. بعد الطائف، تغيّرت بدلات «الأفواج الخاصة». واليوم، وتزامناً مع «الاستقلال»، ستتغير للجميع، يعرف «الخبرية»، وإن كانت ستبقى «متأثرة» ببدلات الجيوش «الكبرى» في العالم.
في الأساس، قد يستغرب البعض وجود محال مخصصة لبيع الأعتدة العسكرية بين الناس. وقد يصعب على البعض الآخر أن يدلّك إلى الطريق الصحيح المؤدي إلى هذا النوع من المحال. لكن الناس عموماً يعرفون أن في «منطقتهم» محلّاً للألبسة العسكرية. وهي مرخصة وليست ممنوعة. بعد جهد، استطاع خياط عجوز مشغول بثوب يحوكه، أن يدلنا إلى طريق محل آخر. صغير جداً، وفيه الكثير من البضاعة. أحذية من كل المقاسات مصفوفة بترتيب. «رينجرات» صحراوية وسوداء على حد السواء. بدلات «جيشية» متراصة على الحائط وراء البائع. وفي المحل رجلان يتبادلان أطراف الحديث. حديث انقطع لحظة دخولنا المحل. صاحب المحل لا يرغب كثيراً بالحديث عن الموضوع. إنه موضوع «حساس». لكن بمقدوره أن يشرح طبيعة عمل محال كهذه باختصار. يقول إنه ليس بمقدورهم فتح محال كهذه، ما لم يكن لديهم بضائع في تعاونية الجيش. فضلاً عن أنهم بحاجة لرخصة تؤخذ من وزارة الدفاع الوطني، وإلا فإن عملهم يكون غير شرعي. رغبته في عدم التحدث ما زالت مستمرة، ومع ذلك يشرح لنا كيف يتم البيع. «هذه الملابس والبدلات، لا تُباع إلا للعسكريين فقط، أطلب البطاقة العسكرية من الزبون، أسجّل اسمه ورقمه وتاريخ الشراء في سجل خاص». أما الأسعار... فيتحول صاحب المحل هنا إلى تاجر «طبيعي»، ويبدأ الشكوى: «اضطررنا إلى تخفيض السعر إلى 70 ألفاً بعدما تقرر تغييرها. نشتري البدلة الواحدة بسعر الجملة بما يقارب 68 ألفاً، ونبيعها بمئة ألف». وليس الأطفال فقط. في عيد الاستقلال «نشهد إقبالاً عاماً، هناك من يتلقط الصور ويضعها على الفايسبوك كتعبير عن الحب للجيش اللبناني». الاستقلال مناسبة «كسّيبة» له، ومناسبة للاستعراض على مواقع التواصل الاجتماعي!