كتاب جديد في الولايات المتحدة يقدم فيه مؤلفه الجواب عن السؤال الأكثر إثارة للقلق الذي تسعى المؤسسة الأميركية إلى تغييبه، وهو: لماذا لم تربح الولايات المتحدة الحروب التي شنتها ولا تزال خارج حدودها؟ في كتابه «تشريح الفشل: لماذا تخسر أميركا كل حرب تبدأها» (Naval Institute Press)، يؤكد الاستراتيجي الأميركي وكبير الباحثين في المجلس الأطلسي، هارلن أولمان أن الحرب الوحيدة التي ربحتها الولايات المتحدة هي الحرب الباردة، فيما فشلت في كسب أي حرب بدأتها. وهو يعتقد أن إجابته تفتح سجل الفشل الذي كان مخفياً إلى حد كبير على مرأى الجميع أو يجري نسيانه مع مرور الوقت.
ويقول أولمان إن معظم الأميركيين يعتقدون أن جيشهم أرقى جيش في العالم، ضمن اعتقاد راسخ لأسباب عديدة. ولكن إذا كان الجيش الأميركي فريقاً رياضياً، استناداً إلى سجله في الحرب، وعندما استدعي منذ الحرب العالمية الثانية للدفاع عن الأمة، فسيتم تصنيفه في أدنى القائمة.

ولطرح هذه القضية، لجأ المؤلف إلى تحليل معمق لسجلات الرؤساء الأميركيين من جون كينيدي إلى باراك أوباما ودونالد ترامب مروراً بجورج بوش الأب والابن في استخدام القوة أو بدء حروب استراتيجية. والحلول التي يوصي بها تبدأ بنهج يستخدم العقول للتفكير الاستراتيجي السليم لمعالجة أحد الأسباب الرئيسية للفشل، أي عدم خبرة كثيرين من الرؤساء الأميركيين الذين يحتلون منصب القائد العام. ويعزز أولمان حجته من خلال استخدام السيرة الذاتية التي توفر قدرة الإنسان والتبصر في أسباب الفشل.
يقول أولما: «لو أمعنا النظر في التاريخ، فإن الحرب الوحيدة التي كسبتها الولايات المتحدة هي الحرب الباردة. ولكن في كل مرة تم فيها إرسال الأميركيين إلى الحروب التي شنتها الولايات المتحدة أو إلى قتال لأسباب تفتقر إلى قضية عادلة، فإن الولايات المتحدة تخسرها أو تفشل فيها. وكانت الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في شبه الجزيرة الكورية انتهت في أحسن الأحوال إلى تعادل حيث انتهت بعقد هدنة مؤقتة وليس معاهدة سلام.
أما في سجل الحروب والصراعات اللاحقة، ففي كثير من الأحيان لم يكن أفضل، بل أسوأ من ذلك. كانت فيتنام هزيمة صريحة ومهينة قتل فيها أكثر من 58،000 أميركي. ربما تستحق حكومة جورج بوش الأب اعترافاً كبيراً في حربها على العراق عام 1991 وفي التعامل مع انهيار الاتحاد السوفييتي. ولكن الحرب الأميركية على أفغانستان التي بدأتها حكومة جورج بوش الابن في عام 2001 لا تزال مستمرة بلا نهاية. أما الحرب التي شنتها حكومة بوش الابن على العراق في عام 2003 فقد استحقت وصف الحرب الفاشلة. حتى التدخلات الأصغر بكثير - بيروت وغرينادا في عام 1983، ليبيا في عام 2011- أيضاً فشلت».


يعتبر أنّ دونالد ترامب أسوأ من أسلافه

ويقول المؤلف إن ما يحتاجه الأميركيون هو معرفة لماذا؟ لكنه في الوقت نفسه يعتقد أن الفشل ليس خطأ وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). يشرح كتابه لماذا سجل هذا الفشل ولماذا تستمر هذه الانتكاسات، إذا لم يتم تصحيحها. ومن المثير للاهتمام أن أسباب الفشل تمتد على أجيال من القادة، وتطبق بالتساوي على كل من الأحزاب السياسية، مما يشير إلى أن هذا الميل إلى الفشل أصبح نوعاً ما جزءاً من الحمض النووي القومي.
فالفشل ـــ حسب رأي أولمان ـــ يبدأ في الأعلى. ينتخب الأميركيون الرؤساء الذين غالباً ما يكونون غير مستعدين وغير مهينيّين وعديمي الخبرة فيما يتعلق بمسؤوليات البيت الأبيض الأكثر صعوبة في العالم. وقد أدى ذلك إلى الحكم الاستراتيجي المعيب الذي زاد سوءاً بسبب عدم وجود معرفة وفهم كافيين للظروف التي ستستخدم فيها القوة.
لاحظ الرئيس جون كينيدي أنه لا مدرسة لتعليم الرؤساء. ومع ذلك أصبح هو وخليفته ليندون جونسون محاصرين في المستنقع الفيتنامي بسبب سوء الحكم الاستراتيجي والافتقار شبه الكامل للمعرفة وفهم هذا الصراع.
رونالد ريغان كان يعتقد خطأ أنه يمكن أن يفلس الاتحاد السوفييتي من خلال الانخراط في سباق التسلح. وعلى على طول الخط، انهار في بيروت، التي كلفت أرواح 241 جندياً أميركياً قضوا في تفجير ثكنتهم. وغرينادا التي غزاها بذريعة حماية طلاب الطب الأميركيين الذين لم يتعرضوا لأي خطر، ووقف بناء «قاعدة جوية سوفيتية» كانت في الواقع محاولة حكومية لزيادة السياحة.
ويقول المؤلف: «لقد استغرق الامر بيل كلينتون 78 يوماً لاجبار الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش على وقف قتل الكوسوفيين من خلال حملة تفجير كان من الممكن أن ينجزها في ساعات اذا ما رافقه تهديد باستخدام القوات البرية. وغزا جورج بوش الإبن العراق لتغيير «المشهد الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط الكبير» من خلال دمقرطة المنطقة. وتسبب غزوه في أكبر قدر من الكارثة الأميركية منذ الحرب الأهلية الأميركية. وتجنب باراك أوباما الدخول مباشرة في الحرب في سوريا من خلال قصف بنغازي، مما أدى إلى مقتل معمر القذافي وانتشار العنف في ليبيا».
ومن المؤسف أن الولايات المتحدة بدأت هذه الحروب لأسباب أثبتت أنها كانت خطأ بليغاً، أو تدخلت على أساس الافتقار إلى المعرفة والفهم الذي أدى إلى الفشل. في المقابل، فإنّ دونالد ترامب، لحسن الحظ، لم يعان من أزمة مثل 11 سبتمبر، إذ أن حكمه الاستراتيجي وتفهمه يبدو أنه ضعيف أو حتى أسوأ من أسلافه.
ولمنع أو تخفیف الإخفاقات المستقبلیة، فإن المؤلف يدعو إلى ضرورة تجاهل التفكير الأميركي الذي ساد في القرن العشرین واعتماد مقاربة جدیدة تستند إلی نهج يوصل إلى أحكام استراتيجية. ويورد المؤلف أن ردع الاتحاد السوفييتي كان مختلفاً تماماً عن ردع روسيا التي ليس لديها نية لمهاجمة حلف الناتو أو تنظيم «القاعدة» و«داعش» التي تفتقر إلى جيوش وسلاح بحرية. وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون لدى صناع السياسات في الولايات المتحدة معرفة وفهم أكبر بكثير للظروف التي تستخدم فيها القوة. ويجب أن يكون تركيز السياسة والاستراتيجية منصباً على إحداث التأثير، والنفوذ، وحتى ضبط الإرادة والانطباع لدى الأصدقاء والخصوم والأعداء.
ويقول أولمان إنه «ما لم يدرك الأميركيون سبب فشلنا أيضاً في كثير من الأحيان في استخدام القوة وتصحيح هذه العيوب، فإن فرص الانعكاسات المستقبلية قد لا تكون حتمية، ولكنها مرجحة جداً».