يبدو التونسي أشرف القرقني مقبلاً على الذاكرة، مقبلاً على كلّ ما مرّ بهِ/بنا، وكأنّ من يكتب ليس فقط أشرف، وإنّما كل من سيقرأ شريكٌ بطريقةٍ ما في ورطة الكتابة، الآن أو في القادم من الأيَّام. ورطةُ الكتابة التي تأخذ القارئ إلى بعدٍ آخرَ غير مرئي، لذا يكتب في بداية مجموعته «تقريباً» (دار مومنت ــ المملكة المتحدة): «من كتب هذا الكتاب شخصٌ ميّتٌ تقريباً ـ أنا أشرف القرقني- من يكتب هذه الشهادة عنه الآن، لستهُ على النحو الذي يجعلنا متطابقين».
هكذا بكلّ ما أوتيَ من قوّة تخيُّل، يبعِد الشاعر نفسه عن شعره وعن كتابته وعن كلّ ما هو معبَّرٌ (أو يمكن التعبير خلاله)، عندما تتحوّل حياة الشاعر إلى مجرّد أرقامٍ مكوّنة من عدّة خانات تدوّن على ورقٍ مقوّى يطلَق عليها اصطلاحاً أو ربما ـ توريَةً- بطاقة شخصيَّة. مفردة الشخصيَّة وما تحمله من دلالات الملكيَّة الغائبة بالطبع لدى الشاعر.

أن يخرجَ الشاعر عن صندوق ذاته، متفرّجاً على نفسه عن بعد، مانحاً لعناصر جسده ومحتويات ذاكرته نعوتاً، هذا ما يفعله القرقني، بعيداً عن أيّ مبالغةٍ كتابيَّة أو غوصٍ في تفاصيل ما يُطلق عليه «الشعور». يدوّن، ومن ثمّ ينظر إلى ذاته وأيضاً إلى ذواتنا عبر شعره أو عبر ما كتبه: «العينُ التي مَدَّدت ظلَّها على شكلِ غزالةٍ/ تُنقِّطُ شمعاً أحمرَ فوقَ الثلج/ لم تكن عيني/ لكنّني أعرفها بما يكفي لأكونَ رسّامها على هذا البياض».
إيقاف الفكرةِ أو احتجازُها، نيتشه، التباساتُ المشهد من خلل عين الشاعر، الفلسفةُ التصاقاً بالشعر ورؤى الأخيرِ العميقة، المشاريعُ الطبيعيَّة الفاشلة... كل هذه العناصر يشتغل عليها أشرف في نحته اللغوي عبر مجموعةٍ شعريَّة واحدة، متفرّعةِ الأروقة، تُفضي إلى غيابٍ ما. غيابٌ يتحسّسهُ القارئ بمجسّاته، التقاطاتٌ عبر اللغة وانطلاقاً منها، كأداةٍ للإفراغ، أو ربمّا أداةٍ للمضي في الشرح والتفصيل دونما مبالغةٍ تُذكَر، تعكُّر صفوَ مضيّ القارئ في التقاط الفكرة العبثيَّة ومن ثم ترتيبها كي تليق بالحاضر الذهني للبشر، فيقول عن الأفكار المُستعادة: «كأنَّها قِنِّينَةٌ فارغة/ يُعَادُ ملؤها/ بنفس الخمرِ الرخيصةِ والفاسِدَة».
الشاعر ينتظرُ العالم، يريد أن يعضّ العالم، أن يخلق شياطينَ في الليل تقضي على هذا العالم. لا يخفي أشرف تلك الضغينة، لا يخبئها داخل روحه، بل يعبّر عنها من دون مواربة. يفصح عن الأمر، كي يكون صادقاً مع ذاته (الغريبةُ عنه) ومع ما يكتبه: «أيُّها العالم، أعرفُ رجلاً يحملُ لك في أعماقِ قلبه ضغينةً/ أوهٍ لو تعرف حجمها».
اللافت في أجواء المجموعة كلها ــ وفي القصائد بأغلبها ـــ الجملُ التي يمكن فصلها عن جسمِ القصيدة لتكون بذاتها نصّاً كاملَ الشعريَّة وطافحة بالرغبة الشديدة في الانتقام مِمَّا هو رديء. دأبُ الشاعر الذي فهم آليَّة الشعور، المفارقاتُ اللغويَّة التي تشي بقدرةٍ ما على الإمساك بناصيةِ اللغة والعمل على نحتٍ لغويّ خاصٍّ بالشاعر، حيث المفردة لا تؤدّي ذات المعنى في كل الأحيان، التطابق بين المفردة والمعنى المتداوَل خيانةٌ ما تنمو، والجميع ــ جميعنا- موافقونَ على تلكَ الخيانة المُجازة، هكذا ينظر أشرف إلى المعضلة.


يتابع صورته كأنّه يحكِّمُ أفعالهُ كقاضٍ هَرِم وعبثيّ تاه عبر السنين

يعودُ الشاعر مرَّةً أخرى كإخوانه الشعراء إلى عنصر «الذاكرة» كموضوعةٍ محفِّزةً على الكتابة وأداةً للتقهقر من زمنٍ قديمٍ إلى آخرَ أقدم. الألمُ الحاضر عقاراً منشّطاً للاستعادة، أو «طريقُ العودةِ» المحفوفةِ بالمخاطر والآثام التي كبرت هي الأخرى مع الشاعر. دائماً يكون أشرف خارج صندوق وعيه وذاته، يتابع صورته كأنّه يحكِّمُ أفعالهُ كقاضٍ هَرِم عبثيّ تاه عبر السنين، لكن لا يزال يحفظ القوانين عن ظهر قلب وبمقدوره إطلاق الحكم بكل يسرٍ وهدوء: «في طريقٍ سمّيتها العودةَ إلى شيءٍ ما/ عثرتُ على/ أغنياتٍ تحفرها أحلامُ طفولتي/ فتصيرُ ناياً/ يمضغُ الأشجار بين ثقوبهِ/ ويلقيها ظلالاً على أرضِ غدي/ عثرتُ على أصدقاءَ يجرّون أنهاراً على أكتافهم/ ويقولون: «سنحملها إلى الزهرة التي تحتاجها»».
يلوح شبح الشاعر العراقي الراحل سركون بولص في قصيدة معنونَة بـ «ضيف المسافة». ثمّة مناجاةٌ ما، سواءُ في طريقة التدوين أو حتّى التذكّر، تذكّر الكتابة، خطاب صارخ، هو صراخُ الشعر ذاته الذي يستمرّ صداه عبر الأزمان: «ماذا تريدُ يا سركون؟/ روحي منهكةٌ/ مثل شعلة يحرقها الماء وليل وئيدٌ/ فلماذا تتركُ أبديّتكَ الفسيحة مثل قصيدةٍ/ من أجل اللحاق بي؟».
لا نهاية للنصوص، الثيمة الإضافيَّة لنصوص «تقريباً» برمّتها، كأنّ نهاياتٍ ما مفتوحة مُقدّراً لها أن تكمِل النصّ في مكانٍ آخر لا نعيه أبداً أو لا يمكن الوصول إليه. أماكنُ في الذاكرة أو مكانٍ خياليّ يبنيه الشاعر. ثمّة ريبةُ ـ أيضاً- باديةً في كلّ النصوص من عبثيَّة النهايات ولا انتظامها على حدٍ سواء. إلى جانب ذلك، هناك «الخطواتُ في العتمةِ» موزونةً بميزان الشعور الجوّاني للشاعر: «لا أدري من يرسمُ ماءً آسناً في خُطوتي/ أو يُغربِلُ المسافةَ من ضوئها/ غير أنّني أبصرتُ العتمةَ/ تبركُ على زمنٍ ذبيح/ وللعتمةِ نواميسُ تجهلُها المصابيح».
يعودُ الشاعر في نهاية المجموعة إلى ذات «أشرف القرقني» المنفصلة. يعرفُ نفسه ــ التي هي بطبيعة الحال - منفصلةٌ عنه، على الأقلّ أثناء الكتابة. ضربٌ من تذكيرٍ للقارئ بالفصل الحاصل طوال المجموعة: «عرفتُ أشرف القرقني منذُ سبعٍ وعشرين سنة،/ إذ كنتُ جسرَ عبوره/ فصِرتُ الصورةَ التي ترتسمُ أمامه/ في المرآةِ مادَّةً لسانها/ هازئةً كُلَّما اهتزّ الألمُ في عينيه كساريةٍ نشيطة».
الفصلُ ما بين الشعر والذات، أو ربمّا اكتشافُ الذات عبر متابعتها خارجاً، خارج إطار الأشياء والمحسوسات والكلامِ الهُراء، أمرٌ حاول أشرف الغوص فيه ونحته لغويَّاً. إيصالُ فكرة ذاته إلى ذواتنا نحن القرّاء لغةً وتركيب شعوريَّاً.