شاعر قروي


سيدخل الصّيف بعد يومين، وأنت تفكّر بقبّعة للخريف مثل الذين حملوا قبّعات من ريح. سيدخل الصّيف ممزّقاً قلوب عذارى نهدَ في صدورهنّ إجّاص وسفرجل ونبتت لهنّ حلمات تُوتٍ. ستظلّ تبكي تحت الشّمس حتى تتلبّد السّماء بالغيوم المطيرة ويدقَّ الرّعد عظام الأشجار وتنهمرَ بغتةً فوق السّطوح.

ستكون في حاجة إلى محراث وحقل وحصان وصيعان من القمح كي تبذر دماً في الحقول وتنتظرَ قبّرات الحصاد.
في مدن الإسفلت، ستظلّ تذرف الدّم لأنّك لم تصطدْ حمامةً أو قبّرةً، وها أنت تعدو الآن وراء كلب الصّيد الذي يعدو وراء أرنب برّيّ وسط السّنابل. ها أنت تخرج ليلاً وراء كلب يأتي بالقنفذ من قلب عاصفةٍ، القنفذ الذي طالما أدمت أشواكه يديك اللّتين أدمتْهما كلمات ضاعت أصيافاً في الحقول.
ستموت يوماً يا بنيّ وفوق صدركَ بيْدر من القمح وبضع حمامات وقبّرات تملأ حُوَيْصِلاَتِهَا بقطرات ضوءٍ.

اللّهب المقدّس

ملعونة أنتِ، تقتفين أثري منذ أربعين عاماً، مبذّرةً كلّ إرثك من أجلي ومحطّمة مجْدك من أجل ناكر جميلٍ. قاتلت لأجلي آلاف الجيوش بقلبك/ الصّنوبرة التي كنت أصعد إليها لأضع لُبّانها الأول مُرّاً في فمي وأحمل باقي اللّبّانات في جيبي للصّبايا المغروسات في صدري مثل رمحٍ.
ملعونة أنت يا من وهبت الحياة لأصابع أطفال حفاةٍ عُراةٍ حتى يقرَؤُوا تاريخَ القبائل.
سأحدّثك اللّيلة، عن إحدى حكايات النّهر الذي كان غولاً طويل العنق مثل عنقك، وكان له قوام مثل قوامك تحوم حوله الجيوش، وكلما كانت الجيوش تتقدّم كانت ممالك كثيرة تسقط، وحصون تدَكُّ وأعداء يسقطون في حُلْكة النّهر صرْعى إلى مثواهم الأخير. وبعد أربعين عاماً من تاريخ أوّل حرب خُضْتِها لأجلي، أرفعُ لك القبّعة فاللّهب الذي وضعته في قلبي أربعين عاماً صار لهباً مقدّساً، لذلك سأحترق من أجلك كلّ فجر.

ما يقوله الببّغاء بعد نومهم بقليل


جالساً فوق فوّهة العالم كنتُ أضحك: ليكن أنّني الببّغاء السّعيد الذي يردّد كلمات الآخرين في نومهم. فالسّعادة كلّها، هي أن تردّدَ ما لم يبُحْ به أحدٌ من قبلُ خشية ذُيوعه قبل نومه بقليل، حتى أن المسافة التي تقطعها كلّ يوم من المنزل إلى المقهى لشرب القهوة الأولى مع قصيدة بيضاءَ في عالم أسودَ، أو مع قصص كتبها جنود ماتوا في الحرب، بعد توديعهم لحبيباتهم وعادوا في توابيتَ هياكل عظميةً لها جُرأة التغزّل وتقبيل الشّفاه. فمن النّادر أن يعود جنديّ سالماً إذا نطق «وداعاً» قبل ذهابه إلى الحرب، فأن تذهب إلى الحرب بعد تلك الـ «وداعاً، هو ألّا تستطيع الكلام أبداً إلاّ من خلال فوّهة بندقيّة لا تعرف التنهُّد.
ولتكون ببّغاء سعيداً بكلماته المرحة عليك ألّا تردّد أبداً كلمات يقولُها لك آخرون لم يعرفوا الحرب، ولم يقولوا «وداعاً» قبل دخولهم لغةَ الخراطيش.
لا تردّد مستقبلاً كلمات: الحرب.. الحرب.. الحرب، أيّها الجبان، فأنا الببّغاء الوحيد الذي يردّد عنك كلماتٍ في نومك. فاحملْ عنّي هذا الوزرَ مرّةً واحدةً أيّها الجبان: أن تكون ببّغاءً سعيداً بكلّ هذه الكلمات بعد نومهم بقليل.

* شاعر تونسي