واحدة من بنود «جردة الحساب» التي يجريها التيار الوطني الحر، لأزمة رئيس الحكومة سعد الحريري، هي في كيفية التعامل مع القوات اللبنانية بعد الحديث عن دورٍ سلبي لعبه قائدها سمير جعجع لمصلحة السعودية، ضدّ لبنان. المستنقع الذي أغرقت «القوات» نفسها فيه عميقٌ جداً.


ظنّ جعجع أنّ بإمكانه القفز فوق حدود «الدائرة الحمراء» المرسومة له، فوجد نفسه محاصراً بالرمال المتحركة، وعبثاً يلقى من يستغيث لصرخاته حتى يُنتشل من ورطته. أعاد جعجع نفسه، مجازياً، إلى «الزنزانة الانفرادية»، بعد أن حوّل تيار المستقبل من حليفٍ إلى خصمٍ لدود، ونجح في ترسيخ الخلافات أكثر بينه وبين التيار الوطني الحرّ. وصلت الأمور إلى مكانٍ يصعب فيه إقناع قيادة التيار الوطني الحر بأنّ جعجع لم يُمارس فعل «الخيانة» بحقّ بلده. وحتّى لو نجحت محاولات عقد لقاءٍ بين الحريري وجعجع، وحتى لو نُظمت القصائد في «المصالحة المسيحية ــ المسيحية»، بات واضحاً أنّ الثقة سُحبت من جعجع.


مصادر العونيين: لن
يكون أحدٌ مستعدّاً لمراعاة
القوات مُستقبلاً



الكلام الذي يُسمع من مسؤولين عونيين بحق جعجع، قاسٍ. «كان مُشاركاً في فعل خيانة، وفي مشروعٍ هدف إلى جرّ البلد نحو الفتنة»، يقولون. صحيحٌ أنّ الأسابيع الماضية كشفت النقاب عن حقيقة العلاقة السيئة بين بيت الوسط ومعراب، ولكنّها أيضاً تركت ندوباً بين الأخيرة و«الرابية»، تبدو عصيّة على الترميم. فاعتُبرت علاقة جعجع بالسعودية، وبوزيرها ثامر السبهان، قطعة «البازل» الناقصة في «ملفّات السوء» بين شريكَي «إعلان النوايا»، من تشكيل الحكومة، والنفط، والكهرباء، والتعيينات الدبلوماسية والقضائية والإدارية، وقانون الانتخاب، والتحالفات في الانتخابات النيابية.
يستفيض مسؤولون في التيار الوطني الحر في الكلام عن العلاقة بينهم وبين حزب القوات، «بصرف النظر إذا كان الكلام عن أنّ جعجع ساهم في التحريض على الحريري، لا يُمكن نكران أنّه هدف إلى ضرب التسوية الرئاسية ككلّ. مشكلته معنا أصبحت كبيرة». فساكن معراب الذي بشّر كثيراً بخيار العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، «لم يكن فرحاً بما آلت إليه الأمور. تفاجأ بأنّه لن ينال الحصص التي سنحصل عليها نحن (التيار العوني). وأضيف إلى ذلك، التطور الكبير في العلاقة بيننا وبين تيار المستقبل. حُكماً، اعتبر جعجع نفسه مُتضرراً وأراد تخريب التسوية».
عملية الانقلاب السعودي على التسوية اللبنانية، لم تتحقّق أهدافها، وأحدها التفرقة بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل. على العكس من ذلك، توطدت الأواصر بين الحليفين الجديدين، وتعزّز التنسيق السياسي بينهما. حالياً، هناك نقاش يسود أوساطهما، في ما خصّ شكل التعامل الجديد مع «القوات». قسمٌ من العونيين والمستقبليين يدعو إلى «ضرورة التحاور مع معراب». أما القسم الثاني، ويمثل الأغلبية، فيتحدّث عن ضرورة «عزل القوات اللبنانية سياسياً»، في مجلسَي النواب والوزراء.
قيل الكثير عن أنّ «القوات» نالت حصّة وزارية أكبر من حجمها الشعبي والنيابي. بعد «خطيئتها» الأخيرة، يجب أن يكون «أحد أهداف التغيير الحكومي، إخراج حزب جعجع من التركيبة الحالية». تتحدّث مصادر في التيار الوطني الحر عن ذلك، سائلةً: «ما هي الإنجازات التي سجّلها وزراء القوات في الصحة أو الشؤون الاجتماعية؟ الوحيد الذي يُجيد نسج العلاقات السياسية هو ملحم رياشي، الذي لا ينتمي في الأصل إلى حزب القوات». فبعيداً عن الدعاية، «أداء الوزراء القواتيين كان فاشلاً. مثلاً، الوزير غسان حاصباني يدخل إلى جلسات مجلس الوزراء يقرأ ورقة، من دون أن يُظهر قدرة على النقاش أو إلماماً بالملفات. وكلّ كلامهم عن محاربة الفساد، لا يتعدّى إطار البروباغندا». وبحسب المصادر نفسها، «لم يعد بإمكان جعجع غشّ الجمهور أكثر من ذلك». قبل قرابة خمسة أشهر من تاريخ الانتخابات النيابية، «سيعيد جعجع، وفقاً للمعلومات، إعادة طرح استقالة وزرائه من حكومة سعد الحريري». ليس السبب أنّه «لا يُمكن أحداً يحترم نفسه أن يبقى في الحكومة»، كما صرّح بعد قراءة الحريري لبيان استقالته السعودي، بل لأنّه بحاجة «إلى شدّ عصب حزبه الشعبي، وإلا فعلى أي أساس سيخوض الانتخابات؟».
أما على صعيد مجلس النواب والانتخابات المقبلة، فتُشير المعلومات إلى بدء العمل الجدّي لمحاولة تشكيل حلفٍ انتخابي يجمع معظم القوى السياسية، ويستثني معراب. وما دام «لدى تيار المستقبل حليف مسيحي قوي، وقف معه في أزمته، فما هي حاجته إلى القوات؟». لا يزال من المبكر الجزم بإمكانية نجاح هذه المحاولات، «ولكن لا شيء مُستبعد. يجب انتظار تطور الأمور بين القوات والمستقبل، ولو أنّه حتى الساعة القلوب بينهما مليانة». تقول المصادر إنّه «لم يبقَ للقوات الكثير من الأصدقاء، ولن يكون أحدٌ مستعدّاً لمراعاتهم مُستقبلاً». ولكن، هناك فريق آخر داخل التيار الوطني الحر، لم يكن في الأصل «معادياً» للتقارب مع معراب، يقول إنّ ما تقدّم «في الحديث عن خيانة أو قطيعة أو تحالفات انتخابية أمرٌ مبالغٌ به. لا نُنكر وجود اختلاف وخلاف في بعض الملفّات، هو موجودٌ قبل 4 تشرين الثاني، ولكن الأكيد أنّه لا عودة إلى الوراء في ملفّ المصالحة المسيحية ــ المسيحية». وبالنسبة إلى التحالفات الانتخابية، «لا تزال الأمور غير محسومة. في الأصل، اتفاق التيار الوطني الحر مع القوات اللبنانية سياسي وليس انتخابياً».